العناوين الرئيسيةحرف و لون

اليافطة .. روعة يونس

لوحة : خالد حجار

|| Midline-news || – الوسط …

في السادسة صباحاً، وفيما الشمس كانت مترددة في الظهور كفتاة خجول، وقفت أتأمل بزوغ أشعتها من خلف الغيوم. سرقني من تأملي، مرور شاحنة عملاقة توقفت في ساحة الحي الواسع مقابل شارع المطار “الأوتستراد”. نزل منها شابان يا فعان، وسائق الشاحنة ومعاونه. لفوري شككت بأمرهم من شبهةِ ملامحهم وثيابهم الرثة ولثام أحدهم. خاصة أنهم تحركوا بخفةٍ أشبه بدبيب، وقاموا بإنزال آليات معدنية. اقتربت إلى آخر حدود الشرفة ومططت عنقي أحاول الإنصات إليهم بينما كانوا يتخاطبون بما يشبه الهمس خلال توزيع السائق المهام عليهم! ثم علت أصواتهم قليلاً تزامناً مع حركات أياديهم التي تشير إلى هنا وهناك وهنالك.
مرت دقائق قليلة، غافلتني الشمس خلالها وشقّت الشرق من خلف غيمة كبيرة. بينما كنت أتأمل الغرباء الذين تأكد لي بعد أن أنزلوا آلية معدنية ضخمة تشبه “نواعير حماة” أنهم ليسوا أشراراً ولا إرهابيين. فقد بدأوا بنصب مراجيح وألعاب حديدية وآلية ويدوية، وباشروا إنزال الدرّاجات المستعملة في ساحة الحي، ووزعوها بترتيب وتنسيق لا يعيق حركة المارة.
نظر زعيمهم السائق إلى الأعلى في كل الاتجاهات، فلمحني. لوّحت حينها له وأردفت “يعطيكم العافية”. بدت على وجهه ملامح السرور والامتنان، واعتذر عن الإزعاج في الصباح المبكر، لأنهم ملزمون بتركيب الألعاب في الساحة بحيّنا، فالعيد بعد يومين، واليوم صباح الجمعة، بداية العطلة الاسبوعية التي ستتواصل حتى نهاية يومي العيد.
كانت الساعة قد بلغت السادسة والربع، والشمس تعاود الانحسار والتقدم كما خطوات متأرجحة في السماء الشرقية. لكن شروقها لم يعد يشغلني! فالرجال أوشكوا على الانتهاء من تركيب الألعاب. وثمة ما يلعب في بالي!
نزعت عني “بيجاما النوم” ارتديت ثيابي. وعدت إلى الشرفة، أنظر إليهم؛ أنتقي من بينهم الألطف هيئة، فقد جالت الفكرة في رأسي، وبمجرد أن استرق أحدهم النظر إلي، قلت له بصيغة الجمع “محتاجين شي”؟ فأومئ أحدهم إلى يافطة قماشية يريد أن يعلقها من شرفة منزلنا لتمتد باستقامة أفقية إلى شرفة المنزل في الجهة المقابلة، كي يراها جميع روّاد “ساحة ألعاب العيد”.
نزلت إليهم بسنواتي الخمسين وبعض فرح ومرح؛ وجلبت معي ناطور البناية كي يساعدهم في تعليق اليافطة. ثم استدركت وعدتُ إلى المنزل لأجلب “موبايلي” فأنا أخطط لاستئجار الدراجة الحمراء –وليس الخضراء ولا الزرقاء- لأقودها في شارع المطار دورة كاملة في هذا الصباح الخالي تماماً من الموظفين وطلاب المدارس والفضوليين. والتقط بعض صور السيلفي وأنشرها لأصدقائي في صفحتي الشخصية على “الفيس بوك”، كي يروا الطفلة الشقية التي لا تريد أن تكبر. وأتباهى أنني رغم كبر سني لا زلت أجيد ركوب الدراجة بمهارة.
جلبت “موبايلي” وركضت خلف ناطور البناية حتى بلغناهم معاً. فمدّ أحد الرجال باليافطة القماشية وشدّها وقدّمها لي، وإذ بي أقرأ:
“يرجى عدم الإحراج.. كافة الألعاب للأطفال من الجنسين دون سن الخامسة عشر”.
.

 

*مسؤولة الثقافة والفنون في “الوسط”- سورية
*(اللوحة للفنان التشكيلي خالد حجار- سورية)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق