رأي

الوطن .. سورة الانتماء المحفورة على جبين أبي .. مازن عجيب ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

“أشعر أن نهاية حياتي تقترب, و بكامل وعيي أطلب التالي : أن أدفن بعد موتي رماداً على تلة مامايف كورغان في ستالينغراد، حيث أقمت مقر مقر قيادتي في 12 ايلول / سبتمبر 1942، في هذا المكان يمكن للمرء أن يسمع صوت هدير مياه الفولغا، ودوي المدافع وألام أثار ستالينغراد، هنا دُفنَ الألاف من الجنود الذين كانوا تحت امرتي، أيها المقاتلون السوفيات، اتخذوا من حراس وعمال ستالينغراد مثالاً، والنصر سيكون لكم” .

تلك الكلمات للماريشال /فاسيلي إيفانوفيتش تشويكوف/، قائد الجيش الخامس الروسي، قائد معركة ستالينغراد التي انتهت باستسلام الجيش السادس الألماني وشكلت بداية النهاية لتقدم ألمانيا في هذه الحرب .

لن يكون حراس وعمال ستالينغراد بأفضل من حراس سوريا، الجيش العربي السوري، ولا أفضل من عمال سوريا الأشراف، ولن يكون تشويكوف القائد بأفضل من ألاف القادة الأبطال في جيشنا المغوار الذين لم يخسروا فقط ألاف الجنود الذين كانوا تحت إمرتهم في معارك العز، بل قدمو أنفسهم فداءً لسوريا الحبيبة ليكونوا بجدارة مثالاً للوطن الأم بملامح تشويكوف .

حقاً انها سنوات صعبة، وحصارٌ من كل حدبٍ وصوب يُثقل كاهل الشعب السوري إلى أبعد حد، لكن ذلك لن يجعل السوريين بلا وطن، وبلا انتماء.

إن مجرد بقاء الأرض التي احتضنت كما الأم بين جوانحها ألاف الشهداء والتي سال على أديمها أطهر الدماء، هو أكبر محفز على البقاء و الصمود وفاءً لأولئك الذين أطبقت أجفانهم وهم يحلمون بوطنٍ أجمل وبنصرٍ مؤزّر .

لن يُفلح أولئك المستذئبون في سلخنا عن انتمائنا ووطنيتنا وعشقنا لأرضنا مهما تكالبوا وخططوا، الوطن ليس للبيع هو لنا بقوة التاريخ والانتماء، هو ملك أبنائنا، ملك أحفادنا الذين سيعيدون صياغته ورسمه كما زهرة الغاردينيا بيضاء ناصعة وتفوح منها أطيب الرياحين .

سوريا التي لم تستطيعوا أخذها وتقسيمها بالقوة والترهيب والدسائس والتخريب، سوريا التي دفعت أثماناً باهظة من دماء ابنائها الشرفاء لبقائها، لن تستطيعوا ان تأخذوها بحفنة من الدولارات، سوريا التنوع و الانفتاح، سوريا التي عانق هلالَها الصليبُ بأبهى صور الصدق والبراءة على مدى التاريخ، ليست بحاجة لمجموعة من المنافقين و المأجورين لنفثِ سمومهم في عقول أبنائها على شكل نصائح وتعاطف، ولا تحتاج لمن يعلمها كيف تقوم وكيف تصمد ومتى تثور، سوريا لن تثور إلا على المستعمرين والخونة، ولن يقف أبناءها في وجه بعضهم البعض في رحلة استنزاف دموي مقيت لن يودي إلا إلى التهلكة .

سوريا الجريحة ستصبر، وستتغلب على جراحها، وسيبقى رهانها وطنياً بامتياز على جيشها البطل وعلى الأشراف من قياداتها، وستتحمل ظلم ذوي القربى ولو كان أشد مضاضة كما قال الشاعر، فمصير أولئك المضللون العودة إلى جادة الحق والصواب .

لن نبيع مقابل لقمة عيش مريرة، ولن ننسى بأننا بلاد الخير التي كانت مثالاً لباقي الأمم حديثة النعمة، فموائدنا ولو ضنت قليلاً إلا إنها كانت وستعود موائدَ الخير والبركة، وتلك الأرض الطاهرة التي لم تبخل يوماً، ستبقى أرض الخير والشرف والعزة لأنها مزروعة على مر التاريخ بالعزة والإباء، ومروية بدماء الشهداء .

حبّ الوطن الحقيقي هو تلك المرساة الخفية الراسخة، التي تربط سفينة عواطفنا بأرض الوطن، حين يشعر الفردُ أنها الأرض التي ولِدَ عليها، الأرضُ التي يمشي عليها أقربُ الناس وأحبهم إليه، الأرض التي يشعر فيها بكرامتِهِ الفردية، وأمانِهِ العائلي، ورزقه مقابل عمله، والفرصة بإعطائه العمل وهو قادر على العطاء فيه، الأرضُ التي يشعر أن جاذبيتها تحمي توازنه وثباته وتدفع حركته للأمام ..
الأرضُ التي يرى فيها حاضره ويستطيع أن يطِلّ بها على مستقبلِهِ .. إنها الأرضُ التي ليس لها بديل .. وبرأيي أن الحبُّ الحقيقي هو ألا تجدَ شبيهاً ولا بديلاً لمن تحب !
صحيح أنكَ تحتاج إلى وثيقةٍ لإثباتِ الجنسية، لكنك تحتاجُ إلى قلب محبّ ونفس متفانية، وأنت كنت لا تحمل الوثيقة لتتفوق على من يحملها.
إن مفهومي للوطن والوطنية مفهوم تركيبي وبانورامي، وصورة الوطن عندي تتألف كالبناء السمفوني من ملايين الأشياء، ابتداءً من حبة المطر إلى ورقة الشجر إلى رغيف الخبز، إلى مزراب الماء، إلى مكاتيب الحب، إلى طائرات الورق، إلى حوار الصراصير في ليالي الصيف، إلى المشط المسافر في شعر حبيبتي، إلى سجادة صلاة أمي، إلى سورة الانتماء المحفورة على جبين أبي، من هذه الشرفة الواسعة أرى الوطن، وأحتضنه وأتوحد معه، فالكتابة عن الوطن ليست موعظة، ولا خطبة ولا افتتاحية جريدة يومية.
قد تختلف الانفعالات في لحظة ما ولكن الموكد أن الوطن لا يُعادله شيء .
ورغم المرارات تبقي صورة الوطن عالية .
*كاتب سياسي – سوريا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق