إضاءاتالعناوين الرئيسية

الهجرة من الورقة إلى الشاشة هي السبيل لاغتيال ثقافتنا .. علي .أ. دهيني

|| Midline-news || – الوسط …

 

ليس من الصدف أو غريبها أن تتعاظم الأزمات الموضعية في العديد من الدول، بخاصة الفاعلة منها، لتصبح أزمات عالمية شاملة لا يبدو من السهل التعامل معها بما يذيب ثلج كرتها المتدحرجة يوماً بعد يوم. فالدول المحدودة القدرات والتأثير في اقتصاديات العالم غالباً من تنتظر الحلول لأزماتها من الدول المؤثرة، بينما هذه الأخيرة تزداد غرقاً في التخبط في مشاريعها التي لا تنفك عقدها العصية على الحل، بل تزداد صعوبة، وذلك بسبب اعتمادها قواعد التغوّل النهمي  والسعي لقطف ثمار سياساتها من بساتين الآخرين.
هذا في عالم السياسة القائمة الآن في محور العالم كله.
لذا، فالمجتمع “الثقافي” بشقيه المبدع والمتلقي، ليس أقل عبثية وضياعاً من المجتمع السياسي، حيث أن المجتمع بدأ يعيش رحلة الهجرة التي أخذته إليها الظروف المحيطة، وأوردته التيه في المعارك القائمة، مما حدا بالمبدع إلى تشكيل أعماله بعيداً عن الورقة والقلم اللذين عادة ما يعينانه على ولادة متجددة لقراءاته المتنوعة من حوله، ليبدلها بالآلة (الكيبورد والشاشة) لينزف أفكاره دون إطالة تبعد المتلقي عن متابعته، كما ويسعى إلى تفخيخ نتاجه بما يستهوي هذا المتلقي باللعب على ذكائه بقصد استدراجه إلى واجهته.
حتى الناقد الذي بات حضوره شبه منقطع عن القيام بدوره كحارس للثقافة، لم يعد يجد ما يتطلب حضوره إلاّ نادراً وبذات الأسلوب عبر صفحات التواصل كتعليقات عابرة لا تشكل إساً يعين المبدع أو يهدي المتلقي.
من هنا نجد أن هذا الأمر يفرغ أي مادة فكرية أو أدبية أو ثقافية عموماً من محاكاتها سيميائياً، نظراً لغياب الدلالات المطلوبة في أي بحث من هذه البحوث التي من شأنها أن تبيّن المرجعية الثقافية لأي عمل إبداعي، مما يعني ـ والحالة هذه ـ إفراغ المادة المعروضة من التأثير في النضوج الفكري المطلوب، ولا تفي الرغبة في الكسب المعرفي. فالسيميائية دورها التنقيب في بناءات النص واستنطاق دلالالته البنيوية.
فالركون إلى جمال التعبير اللغوي ليس كافياً مهما أمعن في بلاغته أو تزيين العبارات بالرهافة المحببة إلى ذهن المتلقي، فالدلالات والمرجعيات مهمة في أي نص ليكون قابلاً لتزويد المتلقي بمعرفة يحتاجها.

من هنا نجد أن الركون إلى تقديم نصوص سريعة تعتمد جمالات اللغة دون المباني الدلالية كما يحصل في على صفحات التواصل، يذهب بثقافتنا ومثقفينا إلى الانحدار والتراجع الفكري الإبداعي في اي من مجالات الأدب والثقافة.
باختصار، إنها ثقافة النار والدم، وهي لغة الحروب التي تستنزف كل طاقات الشعوب، المادية والمعنوية والروحية.

 

* رئيس تحرير مجلة “مدارك ثقافية” الالكترونية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق