فضاءات

“الهايكو” العربي .. قصيدة الومضة المدهشة ولغة الحاسة السادسة ..

انتشر في التسعينات وازدهر في سنوات الحرب على سورية ..

|| Midline-news || – الوسط …

روعة يونس 

يعتبر أدب “الهايكو” نوعاً من أنواع الشعر الياباني. وهو عبارة عن بيت شعر واحد، مكون من سبعة عشر مقطعا صوتياً باليابانية، ويكتب عادة في ثلاثة أسطر وأحياناً يتجاوز ذلك إلى خمسة أسطر , يحاول الشاعر “الهايكست” من خلال مفردات قليلة؛ التعبير عن مشاعر جياشة وأحاسيس عميقة تحقق عنصر المفاجأة للمتلقي.

ازدهر هذا الأدب في القرن 17 بفضل الشاعر المعلّم “ماتسو باتشو” وتلاه “يوسا بوسون” ثم “كوباياشي إيسا” وكثر غيرهما (نتوقف لاحقاً مع نماذج الهايكو لديهم). بينما في القرنين التاسع عشر والعشرين بدأ “الهايكو” يتجاوز حدود اليابان ليصل إلى أميركا ودول الغرب. فترجموه ومن ثم تمّت محاكاته وكتابته وتطويره للاستغناء عن عدد المقاطع الصوتية اليابانية التي قد لا تتجانس مع باقي اللغات والصوتيات في العالم. ثم بعد العديد من الترجمات لهذا الأدب الياباني، سواء إلى الإنجليزية أو الفرنسية أو اللاتينية. وصل “الهايكو” في منتصف القرن العشرين إلى البلاد العربية عن طريق ترجمة نصوص منه إلى اللغة العربية.

“ولادة الهايكو العربي” ..

يبدو أن “الهايكو” ظل أدباً مقروءاً لدى العرب حتى أواسط سبعينيات القرن الماضي، التي شهدت بداية كتابته لدى بعض الشعراء، إذ يُذكر أن من أوائل من اختبر كتابة “الهايكو العربي” وكان المؤسس الفعلي لقصيدة الهايكو العربية الأديب الفلسطيني د.عز الدين المناصرة في عام 1964.

وكما يُقدّر لكل جديد؛ سواء كان أدباً أو فناً أو مطلق فكرة أو مشروع؛ أن يعاني الرفض والتشكيك وقسوة الانتقاد! عانى المناصرة -مثلما عانى قبله شعراء العرب في التفعيلة والنثر والأقصوصة- من الانتقاد ورفض نصوص “الهايكو” التي كتبها ومن أشهرها “هايكو تانكا”.

حيث أُشير إلى “خروجه عن إطار التصوير الشعري إلى الطرح الأيديولوجي الذي يتنافى وقواعد “الهايكو” الأصلية. لكنه استمر في كتابة “الهايكو” وظل الرائد العربي الذي نقل هذا الأدب وعمل على تجديده بما يتلائم والنسخة العربية. فتحوّل النقاد إلى تأييده والثناء على منجزه في هذا الصنف الأدبي. يقول المناصرة في هايكو له :

“أنا أمير
أنت أمير
لا نعرف من يقود ..
الفيلق الكبير”.

وحين انتصفت الثمانينيات بدأ معها انتشار “الهايكو” , وخلال عقد من الزمن استقر وازدهر تماماً في المنطقة العربية، فعرفت دول المشرق والمغرب العربي شعراءَ اتجهوا إلى هذا الصنف الأدبي، وبالطبع عانوا جميعاً ما عاناه قبلهم المبدع المناصرة وسواه. لكن الإصرار دفع هؤلاء الشعراء والشاعرات إلى ضمّ “الهايكو” إلى قائمة الأدب وأنواعه من رواية ومسرح وقصة وشعر ونثر. وبعضهم أنجز “هايكو” الومضة المدهشة بلغة الحاسة السادسة.

“نجوم الهايكو وأخواته” ..

يؤكد الشغف والثبات على طرح فكرة ما؛ مدى الإيمان بها، وهو ما يدفع الآخر رويداً رويداً إلى قبولها أو ربما تجاهلها. فيكون المكسب الوحيد هو أن الفكرة مرّت. وهذا ما حدث مطلع القرن 21، حيث تكرّست قصيدة “الهايكو” وبات آلاف من الشعراء أو المواهب يكتبونها (!) وعني هؤلاء بقصيدة “الهايكو” فأنتجوا قصائد عديدة وأصدروا كتباً وأشهروا منتديات إلكترونية وأسسوا جمعيات وصحيفة ومجلة وأقاموا أمسيات شعر “الهايكو” بل وأطلقوا مسميات متعددة عليه، منها : ومضة وتوقيعة وإضاءة وتكثيف وقصيدة ناعمة و”إيبجرام” وغيرها.

 

وسجلت آنذاك قصيدة “الهايكو” تألقها الأكبر في المغرب، فتميز أديبها د.عبد الكبير الخطيبي، الذي ساهمت دراسته وتدريسه في جامعة “السوربون” وجامعات المغرب، وإجادته عدة لغات، واطلاعه على ثقافات العالم، وصداقته مع كبار الأدباء مثل أدونيس والنوّاب والقباني ودرويش، الذين وقفوا على قصائده وأثنوا على إنسانيتها، في أن يكون –قبل وفاته عام 2009- الأبرز.

يقول الخطيبي في أجمل -وأقسى- هايكو له :

“مثل سيف ينغرز
في أحشاء طفل
إنه الحزن”.

فيما يعدّ حتى يومنا هذا الشاعر الفلسطيني سامح درويش (شقيق الشاعر محمود درويش) أحد أهم شعراء هذه القصيدة، وسبق أن عرّف “الهايكو” بكتابة “هايكو” عنه، يقول فيه :

“أن تكتب كطفل
بخبرة شيخ
هو الهايكو”.

أما في سورية، وعلى الرغم من إنجاز العديد من قصائد وكتب “الهايكو” ظل الانتشار والازدهار من نصيب الشعر الحديث نثراً وتفعيلة، أي كما الحال في مصر والعراق ولبنان –بحسب النقاد-! إنما نسوق نموذجاً لقصيدة “الهايكو” خاض البعض مجالها منذ مطلع ألفيتنا، ومنهم من شارك زملاءً له في كتاب مشترك، أو كتاب منفرد. كالسورية إيناس أصفري، في “هايكو” يتعاطف مع معاناة الآخر بدفء نبيل :

“أصابعه
ترى وجه حبيبته
الكفيف”.

“في زمن الحرب” ..

يجد المتابع لقصيدة “الهايكو” خلال الحرب على سورية، أنها غالباً ابتعدت عن قصيدة الحب والشوق والهجر. واتجهت إلى الطرح الوطني والإنساني الاجتماعي. فها هو الشاعر علي ديوب، يتمسك بالأرض وأشجارها كرمز للوطن، ويقول في قصيدة “هايكو” يتماهى فيها الزيتون مع الوطن، والإنسان مع القلق من الحرب :

“يحرس الأرض
يقلّم الزيتون
وأفكاري
أبي”.

أما الشاعر قاسم حبابة، فيذهب بقصيدته إلى الناس المنكوبين، يتحسس آثار الحرب على جراحهم المعنوية لا الجسدية، فيقول في قصيدته :

“مع رائحة الشواء
يتناول الخبز
فقير”.

ولم يقتصر هذا التوجه على شعراء قصيدة “الهايكو” المخضرمين. فثمة تجارب شابة خاضتها في الحرب، لنقل إحساسها الوطني الإنساني الذي يحيي البطولة ويعبّر عن أخلاقيات أنبل بني البشر. يقول سهم بسام في “هايكو” الشهيد الحي :

“يحفر ببندقيته
دافناً أشلاء وحيده
قافلاً إلى ساحته
جندي”.

ولم يختلف الأمر بالنسبة للمؤسسات الثقافية الرسمية. ففي ثقافي أبو رمانة الذي استضاف مؤخراً لقاءً حول “الهايكو” أقامه فريق “ناي الثقافي” بإشراف رئيسه د.سامر زكريا. ومجموعة من شاعرات “الهايكو” كانت الحرب محور القصائد. إنما من المهم قبل عرض بعضها، أن ننوّه بأهم ما جاء في حديث زكريا، كونه مختص في قصيدة “الهايكو” عن ميزة هذه القصيدة حالياً.

يقول زكريا : تميز الهايكو في سورية خلال الحرب الكونية عليها بالجودة والتألق والازدهار والتطور، وشعراؤه كانوا بحاجة لإنجاز شيء إبداعي جديد يشعرنا بوجودنا رغم هزائمنا الروحية، فكانت تلك النصوص أو القصائد المختزلة العميقة التي أفرزت تطوراً عمودياً بعد التطور الأفقي الذي حصل، بحيث ظهرت أفضل وأروع قصائد “الهايكو” خلال السنوات السبع الأخيرة .

“سيدات القصيدة الناعمة” ..

أصرت شاعرات “الهايكو” في فريق “ناي الثقافي” اللواتي قرأن نتاجهن من القصائد في ثقافي أبو رمانة، على تغليب القصيدة الوطنية الإنسانية المتصلة بالحرب. وألقت الشاعرة ميسون عرفة مجموعة من قصائدها، شبّهت الحرب في إحداها بالريح..

تقول عرفة :

“كل هذا الجدال
مع شباك مفتوح
الريّح”.

فيما قرأت الشاعرة شرف الطحان. مجموعة من قصائدها، تقول في إحداها :

“خطّ كلمات عن الوطن
انحنى تقديراً
القلم”.

من جهتها قالت الشاعرة تمارا عثمان : من حق الشاعر أن يمارس حقه في التجريب والابتكار والإضافة إلى الهايكو العربي. لأن المنجز لا يقتصر على تقديم ما هو مماثل، بل ما هو جديد مبتكر.

ورصدت الشابة غدير حنّا المكان، بقصائد عن مدن سورية، أضرمت الأفئدة حزناً وشوقاً إلى إعادة إعمارها وشموخها. وأخرجت بتأملية جميلة “هايكو” مشبع بجمال التشبيه رغم قسوة المفردة والمعنى على القلب،تقول حنَّا :

“الشجر واقف على ميلِه
وما من ريح
طريق حمص”.

“نماذج الهايكو الياباني” ..

نقتطف نماذج للرواد اليابانيين الذين أطلقوا وأسسوا قصيدة “الهايكو” قبل نحو 500 عام. مع تذكير بأن “الهايكو” كشعر تطور حتى في اليابان وبات له أسماء وتفرعات عدة. شأن أي أدب أو علم. مثلما بات لشعراء وكتّاب “الهايكو” لقب : “هايكست” لكننا استخدمنا هنا لقب “شاعر” مع شواهد مادة تحقيقنا، لأن ثمة بينهم من هو شاعر قصيدة عمودية أو تفعيلة.

وتعكس النماذج المختارة هنا، ملامح فلسفية تسطّر مأساة ومعاناة الكائنات بمفردات بسيطة وعميقة في آن معاً، دون تنظير وتهويل.

لنتأمل قصيدة “هايكو” تختزل إنسانية وتعاطف المعلّم “ماتسو باتشو” :

“على جانب الطريق
أزهرت نبتة.. قضمها
الثور”.

ونجد في “هايكو” لأحد الروّاد “يوسا بوسون” سدرة الحكمة والذكاء :

“في هذه الدنيا الزائلة
هي أيضاً
لها عينان
الفزّاعة”.

ويعكس “هايكو” لرائد آخر “كوباياشي إيسا” الظلم الذي يعانيه الكائن :

“تنح جانباً
خيل السيد آتٍ
أيها الدوري الصغير”.

لا بد في الختام من القول بأن أي مادة تتطرق إلى فن أو أدب أو علم أو فكر أو نظرية أو مفهوم، لا يمكن أن تحيط بكل الجوانب المتصلة به، إذ تدعو الحاجة حينها إلى مجلدات. وإلى ذكر مئات بل آلاف الأشخاص ممن قدموا منجزاً في ذلك الاختصاص أياً كان نوعه. وما سياق هذه المادة إلاّ معلومات مختزنة في الذاكرة مع بعض اجتهاد شخصي متواضع. أما مصادر قصائد “الهايكو” فمنقولة على ذمة (مواقع شبكة الإنترنت) فيما “الهايكو” الياباني من ترجمة الكاتب صلاح الصلاح. أوردناها بهدف إلقاء بعض ضوء على “الهايكو” باختزال وتكثيف تماماً كما جنس “الهايكو”.

تنويه خاص 

موقعنا الإلكتروني|| Midline-news || – الوسط … يرحب بمساهماتكم ونصوصكم واقتاحاتكم . 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق