إضاءاتالعناوين الرئيسية

“النهفجي” .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط
.

في عالمنا المعاصر أصبح اجتراح النكتة أو الطرفة أمر ذو دلالة، ليس بعطف الضاحكين على أيامهم وأوقاتهم العصيبة فحسب، وليس لأدبية “النكتة” بذاتها ورسائلها التربوية والثقافية والاجتماعية والسياسية والفكرية، بل لعل كل ذلك سينضوي في ظلال ما يعتور حياتنا المعاصرة من شحوب ونتوءات وتشظيات تصيب اللغة بسكتة مؤقتة.

ما على الطرفة إن وجدت إلا أن تنقذها، هذا ما فعله الكثيرون في أزمنة مضت أطباء ومبدعون وكتّاب وباحثون أنفقوا الوقت والحبر والأعصاب، ليجترحوا ابتسامة تُرسم على شفاه أيامهم وأيامنا، كان محمد قره علي صاحب “الضاحكون” الأكثر تندراً في هذا السياق دون أن ننسى- بطبيعة الحال- الصحف والمجلات والكتب الساخرة، ومنها جريدة “الكلب” للراحل صدقي اسماعيل، وما أفضت إليه من اصطلاح “الأدب الحلمنتيشي”.. لكن “النهفجي” صفة تتبع موصوفها لتصيبه بوابل من الضحكات التي تجد طريقها إلى متلقٍ بوسعه أن يبتسم ليحرر روحه من أثقالها.

“الضاحكون” هم من حملوا ميراث الألم ليحولوه إلى قوة أمل ينفذ شعاعها إلى القلوب المختلفة الموحدة النبض، وثمة أشخاص معاصرون جعلوها سبيلاً ليس لاستراحة القلوب وترويحها بقدر ما هي فسحة حوارية مع فكرة طريفة تواسي قلق إنسان العصر وتربت على روحه بأصابع اللازورد، فهل بتنا اليوم أقل قدرة على الضحك أمام واقع مضحك بمفارقاته وأعاجيبه واختلاط معاييره، لتصبح “النكتة” أكثر جدية من واقع ينوس بين شرطين:
الشرط الاستهلاكي، والشرط الإنساني. وكيف تستطيع الثقافة الضاحكة أن تملأ فجوات الحياة، لطالما كان الضحك في الرواية مثلاً هو من أجل النسيان، فلا عجب أن تترادف المفردتان في رواية بعينها (الضحك والنسيان)، وترمي كاتبة أخرى “حجر الضحك” رجماً في وجه البلادة واللامبالاة والتصحر والترمد، قد قيل إن الإنسان كائن ضاحك والضحك امتيازه الحصري.
لكنها ليست حقيقة مطلقة، فهذا الضاحك كم اختبر الألم وكم اختبره القلق طويلاً حتى يشكل جملته التي تضخ ومن جديد الدم في عروق الكلمات والأشياء… وذهاباً إلى التاريخ إلى ما نصطلح عليه “بالشعوب الضاحكة” التي صارعت أقدارها حدَّ الموت، كيف جعلت من أيامها وقائع لطرافتها وتماهت بها حتى يصبحوا “نكتة” مشخّصة…

“النهفجي” اشتقاق ليس نحوياً، بقدر ما هو دلالي، في حضوره وفي قدرته على أن للضحك ثقافة تأخذنا إلى ما تستقيم له الأفهام والأبدان وما ينتصب معادلاً لبؤس واقع واضطرام حياة متسارعة لا تتوقف البتة، نعم نحن بحاجة إلى القول إن في الضحك حياة.
.

*كاتب وناقد فلسطيني- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى