إضاءاتالعناوين الرئيسية

النص العابر للأجناس: طموح مشروع ولكن! .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

 

لعل طموحاً نبيلاً ساور الكتاب والمبدعين طويلاً، هو الشغف بكتابة نص من شأنه أن يعبر النصوص جميعها، وهذا ما استدعى قيمة مضافة هي التشكيل، وعليه بات على الدرس النقدي أن يذهب أكثر في حقول الدلالة المنتظرة، نص مراوغ مخاتل بالضرورة ولا يطمأن لاستقرار إجناسي بعينه، طموح كان على الدوام سمة غالبة خفية وسمت جملة من المغامرات الإبداعية التي قادتنا أو أحالتنا لذلك النزوع الجميل، والذي يجترح المختلف وينأى عن المختلف، بل يتطير منه ما أمكنه ذلك.

تُرى هل يفقد –النص- هنا وهو تشكيل القارئ/ الناقد هويته وتتبدد ديناميته ويصبح خليطاً غير متجانس من الأنواع والضروب الإبداعية المتنافرة أو المتوائمة بآن، وكيف تجتمع الأضداد سوياً في نص أصبحت له سعة معرفية بتأويل النقاد؟.

لكن مع فرضيات تراسل الأجناس الإبداعية وحوار الأجناس داخل النصوص العميقة والمثقفة، أصبح ذلك الطموح ذو ممكن إبداعي جعل من التجارب الإبداعية المعروفة في ذاكرة الإبداع العربي أكثر من حقيقة، بعيداً عن ترف أو غواية بعينهما، ولو قرأنا مثلاً إدوارد خراط في كتابه «رقرقات الزمن الملحي أو ترابها زعفران»، وبالمقابل لو قرأنا للناقد محمد برادة كتابه «حيوات متجاورة»، لوقفنا على ما يعنيه النص في التحول والامتصاص والتجدد إذ أنه يأخذ من الأجناس الأخرى ما يعينه على أن يستمر ليعطي روحاً جديدة للإبداع، ذلك أن النص في خلاصته صورة ولعل ذروة الطموح هنا أي توسل إنجاز هذه الصورة المحايثة للسينما، وسائر الفنون البصرية، وهنا نقف أيضاً على آلية الاشتغال التي تحرر الفهم للصورة وتستدعي الخيال ليتناغم مع مكوناتها، فالأثر الذي ينتجه الكاتب سيصبح النص الكبير المترع بمرجعياته لدى القارئ، إذن وكيف سيجد القارئ صورته فيما يقرأ، بعيداً عن معضلة أثيرة تندر بها المبدعون يوماً: من أن الكلمة الأخيرة لم تُقل بعد، لكن تلك المغامرات بطبيعتها التجريبية الواعية لن تمر دون أثمان موضوعية، أي: قوة الإلهام ومكابدة الصنعة، وبتعبير آخر قدرة الحساسية الإبداعية على التأليف بين المتضادات وصولاً إلى دّال يجمعها، أي مشتركها، فما هو المشترك وما هي ماهيته سوى الفن بذاته، النهر الحقيقي للإبداع، ففي مراياه يظل النص مشروعاً لا منجزاً، بحكم تعبير الرؤيا الحاكم على الإبداع، وفي حقل الشعر مثلاً سنجد تجارب مائزة وتشي بقدرة انفتاح النصوص على متخيلها، وذلك ما يضع المبدع أمام استحقاق كبير، بمعنى كيف يعيش نصه أكثر ويعبر إلى أبديته، انطلاقاً من قدرة المبدع ذاته على اضطلاعه بحوار الأجناس الإبداعية، والقدرة على الحوار –هنا- ستعني انفتاح الثقافة لا امتثالها للنسق، بل قدرة النص على الوصول إلى الذائقة الجمعية والوجدان الجمعي العام الذي يحتفي بها بوصفها ذاكرة بخصوبة الأثر الإبداعي وعبوره لزمنه الخاص، حتى يصبح في زمن آخر يعيد الاعتبار لمقولة الزمن الثقافي الذي بتنا اليوم بحاجة ماسة إلى تفكيكه وتأويل مشتركاته… ففي الشعر لم يعد النص أسير ضوابط صارمة بعينها، بل بقدرته على التفلت منها ليعطي لممكنه الإبداعي أفقاً جديداً، وآية ذلك في حداثة النصوص التي تعتمل بشعرية الفكر واليوميات النازفة من نهر الزمن، حتى تصبح إشراقات نظل في إثر دلالتها القصية، لكن طموح النص العابر لا يرتهن بزمن بعينه، ثمة ما يقال عن الزمن المفتوح الذي يصهر الأجناس الإبداعية والفنون في بوتقة واحدة هي الرؤيا، التي تحايث تعبيراً شائقاً وشيقاً هو النص المثقف، دون أن يصبح بطبيعة الحال نمطاً وتقليداً، لأن طبيعة المغامرة الإبداعية لا يمكن اختزالها لأنها بوح مفتوح على ما تستطيعه تلك الأجناس من الجهر بممكنات الابداع العابرة للزمن.

 

*كاتب وناقد – سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق