إضاءاتالعناوين الرئيسية

النص ، وفضاء التلقي .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

 

لا ريب أن النص كأثر هو المنتَظِر تأويل متلقيه ليصبح نصاً عند ذلك المتلقي قابلاً للحياة، وما يمكن استدعاؤه أكثر من مجرد جمالية للتلقي كما ذهبت المدارس النقدية الألمانية على أيدي كبار منظريها، لكن فضاء القارئ اليوم لن يُعنى بالتقاط الدلالة فحسب بل بمدى ما يتيحه النص ذاته بممكنه الإبداعي من أن يصبح امتداداً للمبدع، أي حياة أخرى يعيش عليها ويتنفس من خلالها، وهذه ماهية الأثر الذي يبقى ويستمر في أزمنته القادمة ولذلك نستمر بالتساؤل عن النصوص التي تمكث أكثر ولا تغادر متلقيها، ليس بفعل استجابة عاطفية فقط بل باستجابة فكرية وجمالية تفتح في الرؤيا، وعليه أصبح من المعاصرة القول بالنصوص الحية التي تصبح هي أشخاصها، وبطبيعة الحال ليست محض حيوات ثانية بقدر ما هي صيرورات يعي المبدع أن تشكيلها في ذائقة متلقيه هي دورة انتاج للنص ستمنحه غير أفق للحياة، أي الحيوات الملونة والتي ستعني تالياً ممكنات التخصيب التي تستدعي بدورها غير قدرة من القارئ، إذ لم يعد القارئ اليوم معنياً في البحث عن الدلالة وإنتاج المعنى على أهمية ذلك، بل بالقدرة الكلية على ما يجعل النص المبدَعْ طليقاً كتدفق الأنهار، وراسخاً كجبل وكثيف العطر كوردة الشغف، ومع تغير أدوار القراءة من التأويل إلى الإنتاج أصبح قارئ اليوم ما بين العام والمثالي والمفترض أكثر من حقيقة تُقال، ولعل السؤال المتواتر أبداً لمن تكتب أيها الكاتب؟،
لعله من التبسيط بمكان أن يخاتل الكاتب ذلك السؤال ليقول مثلاً: إنني أكتب لنفسي! ولا غرابة في ذلك الجواب، لأن النفس جمعية هنا ليست فردية ولأنها ستشي بالآخرين الذين يشكلون عائلة النص ونسبه وسلالاته الممتدة في الأزمنة والأمكنة والنصوص.
صحيح أن الدراسات النقدية لم تغفل دور القارئ اليوم، الدور المعول عليه أبداً في الانتظار وصولاً إلى منظومة التلقي وأسئلتها الشائكة بعيداً عن تعسف دلالات -ذلك الاستقبال- بمعنى أفق التوقع أو كسر التوقع، أو كسر الألفة مع النص وسوى ذلك من اشتقاقات مازال النقد في إثرها خطاباً وممارسةً وتنظيراً، لكن القدرة على تشكيل النص مجدداً أصبحت تأويلاً ثقافياً بامتياز أكثر منه إحصاء مفردات الشريط اللغوي، والمستويات النحوية والصوتية والصرفية، فذلك أضعف وظائف النقد، أي النقد الشارح، وستتبدى المسألة هنا في جدلياتها الأثيرة، أي النقد والحقيقة، النقد والمعرفة، التي ترى الأثر الإبداعي بمعنى الفعل الإبداعي الذي يشي بالمشروع ولا يكتمل، وفي ذلك عودة إلى السؤال الكبير هل الكلمة الأخيرة في مطلق النص لم تضع أوزارها بعد، كما تساءل ذات يوم غير مبدع عالمي لأن الكلمة هي الإنسان في تحولاته وإشراقاته وانكساراته واحتدامات فصوله وتعبيرات معانيه، وتوقه إلى الكمال ليحتطب في غابات الخلود وليجد مكانه المشتهى تحت شمس نصوصه، ليس وحيداً بل يستنبت شركائه البعيدين والقريبين مما يجعل هواجسه تتطير إلى هاجس خفي رئيس، كيف يُنتج كينونته، يذهب في إثر الشعر لعله يكتب قصيدة واحدة بآلاف الفصول، ويكتب رواية واحدة بفصول لا تتوقف عند حد حتى لو أغلق الفصل الأخير بنقطة، إنها رواية الحياة، وإنها لقصيدة الحياة التي تلهم المبدع وتجعل بين كتفيه جمرةً لا تنطفئ، ولعلنا نعلل ذلك بعودة المبدعين إلى الطبيعة الأولى، ليذهبوا إلى اللغة بوصفها الطبيعة الثانية، ذلك هو قدر «سارقي النار» في الأزمنة المختلفة، الذين لم يملّوا من حمل شعلة الأولمب من زمن إلى زمن، ومن الذهاب في إثر عشبة الخلود ما وسعهم ذلك، بمعنى إلى أين يتجه الإبداع، فمعاندة الموت هي من تجترح الحياة بعناوينها الكبرى.

 

*كاتب وناقد – سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق