رأي

الـنـزعـة الـتـكـفـيـريـة وفـوضـى الـتـأويـل .. سـامـر بـبـيـلـي ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

إن النزعة التكفيرية والتأويل غير المنضبط ، والنزعة الطائفية، والميول التخريبية ، وتنامي خطاب الكراهية، هي الخصائص الجوهرية التي يكشفها فعل جماعات العنف الديني المعاصرة التي تعيش بين ظهرانينا وهي تدمر موجوديتنا لتخرجنا إلى حال الحيرة والمتاهة والضياع والعدم الكلي.

في ضوء ذلك ، أعتقد اننا معنيون أكثر من غيرنا، بوصفنا مشتغلين بحقول العقل والمنطق والابستمولوجيا، بأن نسأل أنفسنا عن ماهية العقل الذي توظفه هذه الجماعات في تكريس خطابها العنفي باسم العقيدة الاسلامية.

في ضوء المعطيات الميدانية ،لاشك بأن هذه الجماعات تتعامل مع موجودية الحياة على نحو تداولي وعملي، فلهذه الجماعات فقهاءها ، ولها أيضا حرفيوها أو متخصصوها الميدانيون، وكلاهما ليس على غرار مهاتما غاندي او توماس اديسون ، وليسوا على غرار المتصوفة أو أصحاب الكرامات الروحية المسالمين، بل هم عمال قتال وحرب ،وأصحاب مهارات في سفك الدماء، وهذا يشي به سلوكهم تعبيرا عن مورث وعقيدة مقيتة.

إن العقل العملي أو العقل التداولي الذي تشتغل به هذه الجماعات هو عقل تدميري (Destructiveness Reason) وليس عقلاً إصلاحيا أو تعميرياً ، وتلك هي سمته الخطابية والتداولية، فمن الجزائر الى إفغانستان ، إلى برجي التجارة ، إلى مدن العراق إلى مدريد ، إلى مصر وسورية ، يحق للناس أن يتساءلوا : ماهو العمران الخدمي الآمن الذي شيدته هذه الجماعات؟

في ضوء تجارب هذه الجماعات تسنى لنا ميدانيا التأمل في طبيعة الفعل التداولي الذي تشتغل به هذه الجماعات سعياً للتعرف على الطبيعة العقلية الثاوية فيه، وعلى الطبيعة الجوهرية التي تسمه، والبحث عن منطقه ومسارات انشغاله ، فتبين ان هذا العقل هو عقل تدميري لاغير.

أما عن صلة هذا العقل بالتحديث ، فمعلوم ان التحديث يمثل قيمة إصلاحية وعمرانية رائقة نجحت الشعوب المتحضرة في تحقيق الكثير من منجزاتها الملموسة في العصر الحديث ، وماهو لافت ، ان جماعات العنف الديني مارست بعقلها التدميري شتى أنواع الانقضاض على منجزات التحديث في دول الوطن العربي والعالم الإسلامي، والأمثلة والشواهد كثر.

ماهو غريب هو ان الآليات التي تستخدمها هذه الجماعات في التدمير هي من إنتاج عصر التحديث الغربي، ومن صناعة أيادي الغربيين الذي تصفهم هذه الجماعات بالنجاسة والكفر والشيطنة، مع ذلك نرى هذه الجماعات تدفع الى التعصب والظلام المدجج بواسطة أدوات العلوم والتقنية الحديثة، والكلام لجاك دريدا. يعتمد العقل التحديثي او العقل التمديني او المدني على العنصر التجريبي ، وكذلك تستخدم جماعات العقل التدميري العنصر نفسه، إلا انهما يفترقان في الغاية والهدف ، فتجريببة العقل التحديثي ، إصلاحية، بينما تجربة العقل التدميري ، تخريبية.

في ضوء تجربة دولة الملا عمر في إفغانستان، نلاحظ ان خليفة المسلمين هذا حول منجزات التحديث في بلاده الى أطلال بالية، وكان يحث الناس على العيش كما كان المسلمون يعيشون في ما قبل القرن الأول الهجري أو نحوه. وكان فعل العقل التدميري ومازال، واضحاً فيما تفعله راهناً جماعات العنف باسم الإسلام ، فهناك مسلسل لاينتهي لتفخيخ منازل الناس وسياراتهم وتفجيرها، وتفجير دوائر ومؤسسات الدولة المدنية، وتدمير أعمدة وأسلاك الكهرباء والهاتف ناهيك عن باقي المرافق الخدمية والحضارية.

هذا ماجرى من تجارب أليمة انطلاقاً من الثمانينات في سورية وفي العراق ابتداء من عام 2003 ومايجري راهناً في غير مكان في العالم ، وتجمع أكبر عدد من هذه الجماعات التدميرية في سورية ، وضعت في نصابها التعامل المزدوج مع التحديث ، والغاية هي إخراج المجتمعات العربية والإسلامية من أزمنة التحديث الى أزمنة القرون الوسطى ، بل وإلى أزمنة الحياة البدائية.

ليت الامر يتوقف عند هذا الحد ، بل يتجاوزه الى ماهو أفدح ، فدعاة العقل التدميري وعماله يلاحقون دعاة العقل التحديثي والعقل التعميري لاستدراجهم غصباً إلى معامل صناعة المتفجرات، وإلى ورش القتل المنظم ، وإلى صالات تشريح الجثث بقصد إعادة تفخيخها، وإلى ورش تفخيخ المباني ، وإن امتنعوا فالقتل تصيبهم.

لقد رأينا كيف كان تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين يستهدف عمال البناء البسطاء الذين يتجمعون كل صباح في ساحات خاصة لهم في بغداد لغرض ايجاد فرصة للشغل والرزق ، لكنهم يواجهون خطر الموت قتلاً بالسيارات المفخخة ، وكان الهدف من ذلك واضحاً ، ألا وهو قتل الموارد البشرية الأولية المتخصصة بالبناء والعمران، وهذا ما يمثل أحد مظاهر عدائية العقل التدميري لكل مقصد عمراني أو تحديثي ..

السؤال الأهم هو من أين استقى هذا العقل التدميري بناءه ؟ هناك من يعتقد ان الوقوف عند التراث وعدم تجاوزه، ومعلوم ان مصادر الفقه الإسلامي تعود للأمة الأربعة الذين نشؤوا في العصر العباسي، حيث تشكل الدين الإسلامي الذي بين أيدينا في ذلك العصر، وماخالطه من قداسة جعل الاقتراب من التحديث والتنوير أمراً معقداً بل وخطيراً، ولعل أهم رابط ربط الحاضر الذي نعيشه بالماضي هو مسألة القياس الذي افترض وجود مسطرة مقدسة نقيس بها حياتنا المعاصرة على السلف الصالح وعصر الإسلام الأول، وكذلك إشكالية التفريق بين النبوة و بين الرسالة وتشعباتها ، فالنبي محمد قدوة لمعاصريه في كل مناحي الحياة من حيث الطعام والشراب والزواج واللباس والحرب والتجارة … الخ ، وهي ليست مُلزِمة لكل عصر وزمان، وبنظرة موضوعية لفقه الأئمة في مسائل الجهاد نجد ان أحكام الجهاد صيغت للعصر العباسي حيث التوسع والفتوحات وليست صالحة لكل زمان ولم يتجرأ علماء الدين على النظر فيها وغيرها من المسائل التي تحتاج الى إعادة نظر ، فلا سبيل إلا بالتنوير وتأويل جديد يوافق الحداثة المعاصرة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق