رأي

“المنطقة الآمنة”.. مفتاح حصن إدلب .. ريم عثمان ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

يقول المثل التركي الشهير “الدروشة في التكية ، و الحج في مكة”,بمعنى العمل المناسب في المكان المناسب ,ينطبق هذا المثل على سياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سورية ,ففي أعقاب تقسيم سورية إلى أربع مناطق لخفض التصعيد وفق اتفاق أستانا ,أصرّ أردوغان أن توضع منطقة خفض التصعيد الرابعة, التي تشمل إدلب وجوارها من أرياف حماة وحلب واللاذقية ,تحت إدارة بلاده. لا عجب فهذه المنطقة حيوية واستراتيجية بالنسبة لحليفه الروسي الذي يقيم قاعدتين عسكريتين له في الساحل السوري على مقربة منها ,لكن أطماع أردوغان لاتنصبّ على تلك المنطقة ,فعينه على شرق الفرات حيث العدوّ الكردي الذي يقضّ مضجع أمنه القومي لطالما كان يسعى لإقامة كيان انفصالي على أساس إثني يثير شهيّة القومية الكردية داخل تركيا لفعل مماثل ينتهي بالاتحاد مع الكيان الكردي السوري .

لذا فإن تسَلُّمَ أردوغان مفتاح إدلب يجعله ورقة قوّة يفاوض فيها على شرق الفرات مع الروسي وبالتالي السوري من جهة, ومن جهة ثانية ورقة ضغط على الأمريكي حليفه الأطلسي المتحالف مع عدّوه الكردي . إعطني شرق الفرات أعطك إدلب ,هذا هو عرض أردوغان منذ البداية لكنه لم يلقَ آذانا صاغية لا من الأمريكي الذي أخذ يراوغه ولا من الروسي الذي يفاوضه ,ما جعل صبره ينفد ,وفق ما أعلن مؤخرا ,فبدأ أردوغان ينفخ في النار تحت رماد شرق الفرات, وأعدّ لها العدّة وما استطاع من قوة لإطلاق عملية عسكرية قد تحرق أخضر الجزيرة السورية ويابسها ,وتخلط كل الأوراق , ليذهب الصالح بالطالح .

معركةٌ الكلُّ فيها خاسر إذا ما وقعت ,فالمواجهة فيها لن تقتصر على الترك والكرد بل ستتدخل لاشك الأطراف الأخرى المعنية ,ولاسيما القوات السورية ,التي لن تدع التركي الغريب يقتل الكردي القريب وهي تتفرج ,فمهما يكن هو ابن سورية الدولة والشعب ,وإن كان ابناً عاقّاً لكن ثمّة طرق عدّة لهديه وإعادته إلى رشده .

وعلى رأي المثل الشعبي “أنا وأخي على ابن عمي وأنا ابن عمي ع الغريب”, ما يعني مواجهة مباشرة بين القوات السورية والتركية , وهو السيناريو الذي سعت كل الأطراف بما فيها أنقرة ودمشق لتجنبه منذ البداية. أيضا قد تمتد المواجهة لتصبح بين القوات التركية من جهة وتلك الأمريكية المحتلة للمنطقة من جهة أخرى لطالما كانت الأخيرة تدعم الكردي الذي يشكل جناحا عسكريا لها هناك ,وتقدم له العون العسكري والمالي والسياسي ,سيناريو آخر أيضا عملت الأطراف الدولية على تجنبه منذ البداية بما فيها أنقرة وواشنطن . وفي أيّ من السيناريوهين السابقين بالتأكيد لن يقف الروسي والإيراني موقف المتفرج , فسيكون لزاما عليهما التدخل في مواجهة مباشرة مع أنقرة الحليفة لصالح القوات السورية المتحالفان معها ,أو مع الأمريكي عدوّ إيران اللدود وشريك روسيا في الحل ,وإن كان يناصبها العداء ,الأمر الذي سيمتد إلى ما بعد الجزيرة السورية والدولة السورية برمتها ,لذا كان لابدّ من الإصغاء لتركيا والتفاهم معها حتى لو كلف الأمر بعض التنازلات ,تجنبا لخسارة كل شيء .

أعطني أذنا أعطيك صوتا ,هكذا تقول الحكمة التركية القديمة , وبناء عليها كانت جولة أستانا 13 فرصة مناسبة للإصغاء لتركيا وسماع عروضها ومطالبها ,فقايضت الأخيرة إدلب بشرق الفرات, وإن لم يكن العرض بالعلن إلاّ أن كل ما جرى في أعقاب هذه الجولة يؤشر إليه ,فما تحت الطاولة غير ما فوقها وما يخرج للإعلام غير ما يخفى عنه, والخافي أعظم ,الله أعلم ,فلا دخان من غير نار ,ويكفي تتبع الأحداث بترتيبها الزمني بدقة حتى نصل إلى هذه النتيجة:

*أولا , عقدت مجموعة عمل تركية – أميركية، في واشنطن بعد منتصف تموز اجتماعات استمرت ليومين لبحث التطورات في سورية.

*ثانيا, في 22 تموز أمهلت السلطات التركية اللاجئين السوريين الحاصلين على بطاقة “حماية مؤقتة” ممن يعيشون في اسطنبول مدة شهر واحد لمغادرة المحافظة, وأضحت أن (547479) حاصلين على الحماية المؤقتة أي أن عليهم المغادرة قبل 20 آب.

*ثالثا, جيمس جيفري المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية ،أجرى مباحثات في أنقرة في 23 تموز بحث فيها مع المسؤولين الأتراك الانسحاب الأميركي، والمنطقة الأمنية المقترحة في شرق الفرات، وتنفيذ خريطة الطريق التركية – الأميركية بشأن منبج.

*رابعا, بالتزامن, قائد القيادة المركزية الأمريكية ,الجنرال كينيث ماكينزي التقى القائد العام لقوات سورية الديمقراطية ,مظلوم عبدي في مناطق شرق الفرات لبحث المنطقة الأمنية.

*خامسا, أعلنت أنقرة فشل جولة المباحثات التي قام بها المبعوث جيفري في إحراز أي تقدم فيما يتعلق بتفاصيل المنطقة الآمنة . “احترق بيت الكذاب ,و لكن لم يصدقه أحد” ,هكذا يقول المثل التركي , ففشل المباحثات الأمريكية التركية كذبة أردوغانية جديدة لم تعد تنطلِ على أحد ,وليست أكثر من بالون اختبار إعلامي يعمي الأنظار عما يحاك في الخفاء.

*سادسا, عقد اجتماع استانا في جولته الـ13 مطلع آب وانتهت ببيان أرضى جميع الأطراف بمن فيهم السوري ,وهو ما عبر عنه الدكتور بشار الجعفري بالقول “إن البيان الختامي لهذه الجولة هو الأفضل لسورية”. وانتهى الاجتماع بالاتفاق على هدنة في إدلب, سرعان ما انهارت لخرقها من طرف المجموعات المدعومة تركياً. هذا الخرق دون أدنى شك مقصود ,فتركيا تريد أن تقدم لروسيا وسورية إدلب مقابل شرق الفرات ,لذا أعطت الضوء الأخضر لحسم المعركة في إدلب بعد أن كانت أنقرة تقف حجر عثرة في طريقها لسنوات, وبالفعل بدأت العملية التي لوحظ فيها التقدم السريع للجيش العربي السوري بغطاء جوي روسي.

*سابعا, وبينما تقدم القوات السورية مستمر في منطقة إدلب ,توصلت تركيا والولايات المتحدة إلى اتفاق يقضي بإقامة منطقة آمنة شمالي سورية “تتيح عودة اللاجئين السوريين”، وذلك وفق بيان لوزارة الدفاع التركية. وهنا بيت القصيد , منطقة آمنة تكون موطئ قدم للاجئين السوريين ,وإذا عرف السبب بطل العجب , فتركيا ستطرد هؤلاء اللاجئين السوريين العرب من أراضيها وترسلهم قسرا إلى شرق الفرات حيث المنطقة الآمنة التي ستديرها, والممتدة على عمق 30 إلى 40 كيلومترا من حدودها الجنوبية مع سورية,والخالية ,وفق الاتفاق ,من وجود مسلحي الوحدات الكردية , وبالتالي ينتظر الجزيرة السورية تغيير ديمغرافي بحيث لا تكون الأغلبية للمكوّن الكردي الأمر الذي سيعيق تحقيق حلمه الانفصالي , فضلا عن أن هؤلاء اللاجئين السوريين العرب ممن سيقطنون تلك المنطقة سيشكلون سدّاً منيعا يفصل بين أكراد سورية وأكراد تركيا ويقضي على أي حلم بالانفصال لدى الكردي في كلا البلدين .

أما واشنطن فربما وافقت على هذا العرض بعد أن فشلت كل محاولاتها لامتلاك الجزيرة السورية ,التي لم يعد ثمّة أي مبرر لبقاء قواتها عليها بعد إعلانها القضاء نهائيا على تنظيم داعش الإرهابي هناك ,وبات حلفاؤها الأكراد بين فكي كماشة ,القوات التركية من الشمال والقوات السورية من الجنوب ,فالاثنين كانا يعدان العدّة لمحاربتهم ,كل على حدة,ولكل هدفه وأسبابه.

واشنطن فشلت في إقناع الأوروبيين بنشر قوات لهم متعددة الجنسيات في تلك المنطقة تحل محل قواتها المحتلة التي وعد دونالد ترامب بسحبها من سورية وفق مدة زمنية مرقومة, وهو الوعد الذي بات لزاما على ترامب الوفاء به في وقت ُيقبِل فيه على مرحلة يحتاج فيها إلى تبييض صفحته أمام الجمهور الأمريكي لكسب شعبية تخوّله الفوز بفترة رئاسية جديدة بعد عام واحد . كل ما تقدم يوحي بأن الطبخة أعدّت قبل اجتماع أستانا 13 ونضجت على طاولته ,واليوم على الجميع أن يتذوقوا طعمها, فهي بنكهة السمّ في العسل ,منطقة آمنة ستكون ملجأ ليس للاجئين السوريين في تركيا بل أيضا لمن سيرحل بالباصات الخضراء من إدلب الخضراء بعد أن تحسم المعركة لصالح الجيش العربي السوري ,خاصة أولئك المتشددين, سوريين كانوا أم عربا أم أجانب ,ممن كانت ,ذات هزيمة, وجهتهم إلى إدلب ,واليوم ستكون وجهتهم إلى المنطقة الآمنة, شرق الفرات , لأن هؤلاء لا سورية ستبلعهم ولا الدول التي شغلتهم سترفعهم ولن يقووا على المقاومة الطويلة أمام نيران المعركة الدائرة ,حامية الوطيس, وفي الوقت عينه ستخمد الجمرة تحت الرماد التي كانت تنتظر أن ينفخ بها لتكون نارا تحرق الجزيرة السورية.

وإن كانت الجزيرة السورية هي مفتاح حصن إدلب الذي سلّمه أردوغان لروسيا إلاّ أن حسم معركة إدلب ونزع فتيل المعركة في الجزيرة لا يعني إنتهاء الحرب,بل هو كسب جولة وترحيل للأزمة , أما ماذا بعد ؟ فالجواب صعب, وإن كان بالإمكان التكهن بأنه ليس بالإيجابي .

*صحفية سورية – دمشق 
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق