العناوين الرئيسيةرأي

“الكاتب العربي والتحديـات الثقافية”… بقلم: علي .أ. دهيني

|| Midline-news || – الوسط
.

كم من الموضوعات التي نعيشها في زماننا الحاضر وظرفنا الراهن تتطلب منا أن نكون أخلاقيين وإنسانيين ومهنيين احترافيين موضوعيين، في تقديم نتاجنا إلى المتلقي. خاصة وأن صراعاً خفياً في جانب، وعلنياً في جانب آخر، بين الكتاب والمبدعين العرب في مختلف ميادين النتاج الفكري، يتمحور بين من يجد في العودة إلى الجذور والروافد الثقافية والفكرية ضرورة لا بد منها لتخليص مجتمعاتنا مما تتعرض له، وبين من يرى ان كل محمولنا الثقافي فشل في تقديم حلول تتواءم وطبيعة تقدم الشعوب وتطوير نمو المجتمع العربي. هذه تتهم تلك بالرجعية والعودة إلى العصور الأولى، وتلك تتهم هذه بالهجرة والتغريب والتنكر لأصولها وروافد فكرها وثقافتها.

ولعل من المستحسن أن أتساءل حول دور الكاتب العربي، وليس اللبناني ولا السوري ولا المصري…. إلخ، وما يمكنه أن يلعبه في تشكيل العقل الجمعي في مجتمعنا العربي.

أولاً ـ أشير إلى أن التحديات الثقافية التي يواجهها الكاتب الملتزم قضايا أمتنا، ليست أقل خطورة ـ مما يجري ـ في عالمنا العربي الذي أصبح مجالاً سهلاً للإختراق الثقافي أو لِـغزو “القوة الناعمة” من الأقربون وفق المصطلح المتداول، أو الممهور بالقوة النارية المفرطة من الأبعدين.. أو كما يحلو للبعض أن يسميه عصر العولمة!!

إن التحديات التي يواجهها الكاتب الملتزم، في أي حقل من حقول الكتابة، لها ثلاثة جوانب/مرتكزات هامة تتصف بها شخصية الكاتب ـ بحسب فهمي ـ وهي:
أخلاقية الكاتب.
إنسانية الكاتب.
مهنية الكاتب.
وطنية الكاتب. (مؤمناً بأن العنوان الوطني للكاتب هو لغته وحرفه، ما يعني أن الكاتب العربي وطنه هو الوطن العربي كله).

ولأن هذه المبادىء/المرتكزات قد تتفاوت شروحها وتفسيراتها على قاعدة نسبية الآراء وتنوعها ومدارس مكتسبها المعرفي، لأنها ـ وإلى حد مّا ـ مرتبطة ببعضها، لا بد أن تكون المعايير موزونة بقوة “الانتماء للوطن” الذي يشكل ـ بعد ذلك ـ الوعاء الذي تتدثره تلك الجوانب/المرتكزات، أو الإيوان الذي يتربع به الضمير الأخلاقي والبعد الإنساني.

فالأخلاق الوطنية على سبيل المثال، داخلياً: تمنع على الكاتب أن ينظر إلى مصلحته الفئوية دون أخذ مصلحة مواطنه من فئة أخرى، وتوجب عليه كذلك، تظهير المشاكل التي تعترض حياة أبناء المجتمع كافة. وعلى الصعيد الخارجي: التعاطي مع ما تتطلبه مصلحة الوطن أوالدفاع عن قضاياه في المحافل الدولية. وهكذا في شتى مجالات المعايير الأخرى.

ثانياً ـ إن ما يعيشه الكاتب العربي اليوم يدعو إلى القلق بحق.. بل الخوف على مصير مجتمعنا عموماً، مما يتعرض له من هجوم بات سافراً ومكشوفاً، ولم يعد في الغرف المقفلة، وأصبح صراع حضارات، وليس حوار حضارات ـ كما يحلو للبعض أن يتغنى به ـ. فللحوار أسس تناقش الموضوعات المطروحة بالحجة والدليل، فيما للصراع أدوات تحاول أن تفرض وجودها بقوة الأداة التي تتسلح بها.(كانت بعض المؤتمرات حول هذه الموضوع طرحت نظرية “تعايش الحضارات” كحل وسط بين العنوانين).

ما رغبت أن أشير إليه هنا أن مرحلة طويلة من جهد “القوة الناعمة” هناك، والنارية المفرطة هنا، أنتجت أدوات تجهد وتعمل للقضاء على جذورنا الثقافية وتجفيف روافدها من جهة، ومن جهة ثانية الاستيلاء على مصادر ثرواتنا. وما نشهده اليوم على ساحتنا العربية، كلنا يعلم أنه من تفصيلات ما أطلق عليه عنوان ” العولمة ” أو الفوضى الخلاقة التي وضعت في اصلها، كخطة استراتيجية سياسية لها أهدافها، من خلال برامج أعِدت تحت عناوين شتى مثل الهندسة النفسية.!! (والحقيقة ان هذه الأخيرة التي طُرحت نظريتها في أواسط السبعينيات من القرن الماضي، على أنها نظرية علمية تربوية، استُخدِمت في منابر المجتمع المدني على سبيل انتزاع الموروث وغرس المستورد، حتى في أبسط الوجوه. لكنها مهما ألبِست من عنوان علمي، إلاّ أنها وضعت في مرحلة التخطيط الأولى لدهم منطقتنا بكل أنواع الأسحلة بداية التربوية والثقافية والاجتماعية، ومن ثم العسكرية والاقتصادية. وقد تحدثت عن هذا في موضوعات نشرت في صحف ومجلات.

مما تقدم، لا أعني الانعزال الثقافي أو الانغلاق، بل أعني التمسك بأصولنا الثقافية العربية والتعاطي من خلالها مع الثقافات الأخرى على قاعدة النَّدِّية وليس التبعية، لأن ثقافتنا في، أصلها وجذورها، ومختلف روافدها ومعتقداتها، تدعونا للحوار مع الآخر وتأمرنا بالتثاقف بغية خلق بيئة فكرية تعمل على التطوير من خلال التفاعل. وليس أن نكون ببغائيين في نقل تلك الثقافات والانبهار بها، وكأننا عراة من أية قيم فكرية.

وإذا كنا لا نوافق على الإنغلاق على الآخر الثقافي الخارجي، فكم بالحري بنا أن نجهد بأن يكون هذا الانفتاح بالدرجة الأولى على الشريك بالوطن الذي نتقاسم معه الهم والغم.. ولعلي أتجرأ فأقول بعض الفرح.. هذا الفرح الذي لعب فيه الكاتب والمثقف العربي، دوراً مهماً إلى جانب الإنتصارات المهمة التي تحققت في مناطقنا العربية، وشكلت ـ بمساعدة هذا الكاتب ـ وعياً في الشارع ربما نحن في مرحلة قطف ثماره اليوم.

إذن، أخلاقية الكاتب لا بد وأن ترتبط بالمكتسب المعرفي صقلاً، وبالموروث والانتماء الثقافي منطَلَقاً، فتشكل عنده بديهة فكرية ينطلق منها ويعمل بها فكره، وينضح بها قلمه، ويترجم بها قراءته لما يجري حوله.. فتكون الضمير الذي يحتكم إليه.
في إنسانية الكاتب، لا بد ان ينطلق من كينونته الإنسانية، ويتجرد من أنانيته الذاتية، مستمداً بناء موقفه من خلال وعيه للعدالة في النظرة التي تفصل بين الموقف الظرفي الخاص وبين الموقف المبدئي العام، ومع الآخر في مجتمعه وفي خارج مجتمعه، لأن العلاقة الإنسانية تتجاوز في أطرها الخصوصيات إلى المُشتركات.

وفي مهنية الكاتب، أن يلتزم.. وأشدد على أن يلتزم، منطلقاً من فهمي أن الالتزام ليس الوقوف عند سطر دون سواه أو عند جغرافية الكاتب أو حزبيته أو عقائديته، إنما الالتزام بهويته.. بقضايا أمته وأمن مجتمعه في مختلف تشكيلات عناصر هذا المجتمع وعلى كافة الصعد، شرط أن يبتعد عن الشخصانية، وبذات الوقت لا يتخلى عن المبدأية الوطنية التي تربّى عليها ضميره المهني وعقيدته الإنسانية.

وهنا لا أفرّق بين المثقف في أي حقل من حقول الإبداع وبين والكاتب.
كما أن المهنية هي المرادف الوصفي للاحتراف، والوصفان ليس المقصود منهما فقط المقالة أو العجالة، أو باب الارتزاق المعيشي فحسب، إنما المهنية كذلك ـ وهذا الأهم ـ هو الأمانة والدقة في البحث والتدقيق والضبط وتحري الحقائق الموضوعية عند بناء العمل، لأن تقديم نتاج الكاتب مسؤولية كبرى في سلامة توجيه المجتمع.

وإذا كانت هذه المبادىء بديهة سليقة في حركة تفكير الكاتب في أي مجال من مجالات الكتابة: المقالة، البحث، الدراسة، الرواية، القصيدة..لا بد أن ترتبط بالزمن الحاضر لولادتها وتتعامل مع الظرف الموجب لإطلاقها.

نقول، ليس صحيحاً أن كل قادم ثقافي هو سلبي ومدمّر وتجب محاربته ورفضه، كما ليس العودة إلى الاسترخاء في بطون الروافد والمناهل التي تحوي عناوين ثقافتنا مقبولاً، كلنا يدرك ويعلم إذا تجردنا من عنصريتنا وعصبيتنا، أن هذه الروافد لم تصل إلينا سليمة غير مشوبة بتطويع عناوينها وتوجيه أهدافها وترجمة مبادئها. وبناء على ذلك، المطلوب هو التفاعل فكرياً لانتاج الموائم. واستقبال القادم لتطوير القائم وقراءته بما يتوافق مع تطور العقل وحاجته للنمو وتقديم الإفضل لصالح المجتمع. كما المطلوب الاستفادة من تجارب الشعوب لبناء نهضة فكرية وثقافية تولّد مجتمعا منتجاً وليس فقط مستهلكاً. ولا نرى في الإنغلاق حلاً، وليس التخلي عن الموروث خلاصاً. هو أمر بين أمرين.
إننا في زمن تمكن فيه السياسي من الإمساك بقدرات الكاتب والمثقف واستغلالها وتسخيرها تحت طائلة الترهيب والترغيب أو السطوة القمعية، ليكون وسيلة تؤمن براغماتيته وفق متطلبات اللحظة ـ ولا فرق أن يكون شخصاً ذاتياً أو معنوياً حزبياً ـ وخير مثال على ذلك ما يواجهه الكاتب والمثقف العربي اليوم، على المنابر الإعلامية كافة، بحيث أنها احتكرت لوجوه وأسماء بعينها نتيجة هذه الوصاية التي أوجبها السياسي عبر شخصه أو من خلال نظامه، فيما عشرات وآلاف العقول المكتنزة للعلم بكل مجالات المعرفة محجوبة أو مقموعة، مرة عبر قوانين الرقابة ومرة من خلال الترهيب والقمع.. والأخطر في هذا من خلال بدعة الشللية التي تستولي على منابر خاصة تتولى تقديم من يرى رأيها أو ينظر نظرتها.
.

* أديب وكاتب.. رئيس تحرير “مدارك ثقافية” الإلكترونية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى