العناوين الرئيسيةخاص الوسط

القنبلة الموقوتة الكامنة في شوارعنا… بقلم: بسام العطري

|| Midline-news || – الوسط
.

ما من سيارة تقف على شارة ضوئية إلا ويهرع باتجاهها متسولون وأولاد وأطفال، لمسح زجاجها، أو لبيع بعض السلع لركابها، أو على الأغلب للتسول منهم.

ولئن كانت هذه الظاهرة ليست بالجديدة، إلا أنها اليوم أضحت أكثر فجاجة وانتشاراً بكثير، فلا يكاد يخلو شارع أو حارة أو حديقة من متسولين صغار أو كبار يشكلون بمجموعهم قنبلة اجتماعية موقوتة تهدد المجتمع بأسره؛ إن لم يتم علاجها بشكل عاجل غير آجل. ورغم نداءاتنا الكثيرة والمتكررة لأجهزة الدولة المعنية ومؤسسات المجتمع الأهلية، إلا أنه وحتى الآن لم يتم اتخاذ أي إجراء جدي من شأنه أن يستأصل هذه الظاهرة ويقضي عليها..

القضاء عليها لا يمكن أن يتم بشكل اعتباطي، يبقى قاصراً على ملاحقة هؤلاء الأطفال وتوقيفهم في دور الشرطة أو الرعاية ثم إطلاق سراحهم ثانية ليعودوا إلى ما كانوا عليه من جديد. إن الأمر يحتاج علاجاً واسعاً استئصالياً يستأصل هذه الظاهرة من جذورها ويقضي عليها في مهدها قبل أن تتفاقم أكثر وأكثر، وُرب قائل يقول: “إن هذا غير متاح حالياً بسبب ضعف الإمكانيات، وضخامة المشروع”. وأنا أرد عليه: “بأن الدولة لا يعجزها شيء إذا وُجدت الإرادة الصادقة والتخطيط الصحيح”.

وبما أني دائماً أحبُ أن أستشهد بالتاريخ ووقائعه لما يقدمه لنا من دروس وعِبَر ومواعظ، فإن الذاكرة تحملني إلى زمن محمد علي بيك الكبير في مصر الشقيقة، ففي عهده كثُر أطفال الشوارع وتحوّلوا إلى ظاهر ، فكيف كان علاجه لهذا الخطر الاجتماعي الداهم؟
لقد أدرك محمد علي بيك الكبير أنه يواجه كارثة قد تؤدي إلى تقويض حلمه في مشروع الدولة المصرية العظمى التي كان يحلم بها.. كانوا حوالي 300 ألف متشرد في شوارع مصر من الإسكندرية حتى أسوان. اعتقلهم جميعاً في معسكر بالصحراء بالقرب من الكلية الحربية التي أنشأها في أسوان، ولم يترك أحداً منهم إطلاقاً لمدة ثلاث سنوات، وأمر قائد الجيش سليمان باشا الفرنساوي أن يأتي بأعظم المدربين الفرنسيين في كل المهن والحرف اليدوية ليقوموا بتدريب وتعليم أولاد الشوارع أولئك.
بعد ثلاث سنوات خرّج لمصر أعظم الصُنَّاع المهرة في تاريخها الحديث، وهم يجيدون جميع الحرف اليدوية إضافة إلى اللغتين العربية والفرنسية. فاحتفظ محمد علي بيك الكبير بالنوابغ منهم واستعان بهم في بناء مصر الحديثة، وعيّن أمهرهم في النجارة رئيساً للنجارين، واستعان به في بناء أسطوله القوي الذي خاض فيه حروباً كثيرة، وأرسل الباقين كخبراء للدول التي تفتقر لهذه الحرف، وأنشأ لهم موانئ حتى يتمكنوا من إيصال إنتاجهم لجميع الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط لصالح مصر.

لا شك أن إمكانيات الدولة اليوم أكبر وأضخم من الإمكانيات التي كانت متاحة لمحمد علي بيك الكبير، ولكننا نحتاج اليوم –كما أسلفت– لإرادة صادقة وتخطيط صحيح، وإلا فتلك القنبلة الموقوتة ستنفجر بمجتمعنا وتملؤه جرائم وتشرد وأمراض اجتماعية ونفسية لا حصر لها ولا نهاية!. وإن كانت دولتنا اليوم على وشك أن تطلق عملية إعادة إعمار الحجر، فالأولى –كما قلتُ مراراً – إعادة إعمار البشر، لأن البشر هم من يعمرون الحجر.
.

*(محام ومستشار قانوني- سوريا)

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى