إضاءاتالعناوين الرئيسية

الفكرة في النص الغنائي-1 .. مراد داغوم

|| Midline-news || – الوسط …
.

نادرة جداً هي الأغنيات العربية التي تتميز بفكرة جديدة في نصها، حتى وإن ضمن الموضوع الواحد (العاطفي – الإنساني) تحديداً، لذلك اعتاد المستمع العربي أن يبحث عن الإثارة في عنوان الأغنية ولذلك اتجه شعراء الأغنية إلى اختيار مطلع ملفت، بينما يزخر متن النص بحشو تم اجتراره مراراً وتكراراً.

قديماً، جذبتنا أغنية (ساكن قصادي) لنجاة الصغيرة، عندما اعتمد الشاعر “حسين السيد” أسلوب “الأغنية/القصة لموضوع عاطفي مكرر آلاف المرات: (حب من طرف واحد)، وفكرة قد تكون جديدة آنذاك (صدمة زواج الحبيب المفاجئ من الغير، حضور حفل الزفاف بحزن، وانسحاب بقلب مكسور). لو أن شاعرنا الكبير أضاف ولو بيتاً واحداً على الأقل يتضمن أمنية بالسعادة للمحبوب رغم زواجه لأعطى الأغنية مسحة إنسانية راقية، ونهاية لا تدفع المستمع إلى كل ذلك الحزن والأسى نتيجة توعُّد الذات بالويل والجروح المستديمة، فالشكوى والنواح يفرحان قلب المستمع العربي المازوخي بطبعه.

اهتم الرحبانيان بنصوص الموقف الإنساني من قضايا حياتية، كأغنية “أقول لطفلتي“، أو أغنية “يارا” التي كتبها “سعيد عقل“، أو تلك القصيدة المفرطة في الإنسانية “سوف أحيا” التي كتبها “مرسي جميل عزيز“. وكانت مغامرة كبرى عندما غنى “عبد الحليم حافظ” القصيدة الوجودية “لست أدري” عن نص الطلاسم للشاعر المهجري “إيليا أبو ماضي” ومرَّت بسلام، فلو أنها طرحت اليوم كأغنية جديدة لتعرضت للتكفير مع مغنيها وملحنها.

لن أنسى أن أشير إلى الخط الإنساني في الأغنية الخليجية، فقد أثارتني حدَّ أغنية “طائر الأشجان” التي كتبها اليمني “يحيى بن ابراهيم جحاف” وشدا بها “عبد المجيد عبدالله“، ولحنها البارع المبدع البحريني “خالد الشيخ” فأعطاها جملة ميلودية عبقرية. “خالد الشيخ الذي قدَّم لنا بصوته أيضاً أكثر من أغنية ذات فكرة إبداعية في نصِّها مثل أغنية “يا معلق” من كلمات علي بن أحمد بن إسحاق عن لحن صنعاني تراثي غناه الكبير أبو بكر سالم. وغنى خالد الشيخ أيضاً من ألحانه أغنية “كمنجة” لم يسبقه إلى فكرتها أحد. يمكنني أن أضيف أغنية “يا ناس احبَّه” التي غناها “علي عبد الستار لطفلته.
إنما ضربت أمثلة، فلست في صدد حصر تلك الأغنيات في مقال، لكنني أزعم قلَّتها وندرتها قياساً للكم الهائل من الأغنية ذات الموضوع التقليدي المتكرر  والفكرة المهترئة.
أما الأغنية التي  نالت نصيباً كبيراً من الجدل بين استحسان واستهجان بسبب عدم الوصول إلى حقيقة الفكرة فهي أغنية “فيروز” ذائعة الصيت “كيفك إنت“، التي كتبها ولحنها زياد الرحباني … كثيرون هم الذين استسخفوا النص لسبب بسيط جداً هو أنهم لم يعرفوا من هو المخاطَب المعني بذلك النص. للمرة الأولى في تاريخ الأغنية العربية تُغني المرأة العربية لطليقها الذي تراه صدفة في الشارع، وللمرة الأولى تعرض أغنية عربية موقفاً محايداً بل سلمياً وودوداً من الطليق، فالمعتاد أن المرأة العربية إذا رأت طليقها عن بعد تغيِّر دربها، أما هنا فهي تبدأه السلام لتطمئن عن حاله وعن أولاده. تسأله إن كان ما زال يتذكر السيدة التي يتضايق منها، أمها (حماته)، وتعلن له صراحة وبكل جرأة أنها ما زالت تحن لأيامها معه فهو “حلالها” الذي كان، وتتمنى أن يعودا لبعضهما.

برأيي المتواضع، هذا النص هو الأكثر إنسانية ضمن مجمل نصوص الأغنيات العربية، يضاف إلى ذلك اللحن البسيط الرائع مع التوزيع الهارموني والأوركسترالي الأخاذ المعروف عن زياد.
وسأحاول فيما يلي من المقالات أن أستعرض الأفكار الجريئة والباهرة التي تضمنتها نصوص بعض الأغنيات الغربية لنقارن المجتمعات أولاً، ثم أدب الأغنية الحديثة بيننا وبينهم.

أتمنى أن تستمتعوا بالشواهد السابق ذكرها، عبر الروابط التالية:

فيروز – كيفك انت

https://www.youtube.com/watch?v=xP2IsI02KuU

عبد المجيد عبدالله – طائر الأشجان

https://www.youtube.com/watch?v=l3hFvpsLzgE

خالد الشيخ – يا معلَّق

https://www.youtube.com/watch?v=C8FpMIIfrh4

خالد الشيخ – كمنجة

https://www.youtube.com/watch?v=iKWPhqbN7U8

نجاة – ساكن قصادي

https://www.youtube.com/watch?v=ynzIpbTjOMs

.

*(ملحن وباحث موسيقي- سورية)

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى