دراسات وأبحاث

الـقـطـيـعـة الـمـعـرفـيـة – الأبـسـتـيـمـولـوجـيـة .. سـامـر بـبـيـلـي ..

|| Midline-news || – الوسط …

في القرن السادس عشر اصطدم عالم الفلك البولندي نيكولا كوبرنيكوس (1473_1534م) بإشكالية نظريته المرتبطة بالأداء السائد في عصره حول دوران الافلاك ، وهي النظرية التي وضعها بطليموس (90_186 م) ، والتي تقول بمركزية الأرض ودوران الشمس حولها ، وهي كما نعلم النظرية التي تبنتها الكنيسة لاتفاقها مع التفسير الرسمي للإنجيل الذي يجعل من الإنسان ، وبالتالي الأرض ، محوراً للكون ، تدور حوله الأرض والكواكب الأخرى ، ولم يكن أمام كوبرنيكوس إلا طريق واحد يستطيع به حل معادلاته الرياضية ألا وهو تقويض المسلمة المقدسة التي كانت بمثابة الخط الاحمر الذي لايجوز للمفكرين مجرد الاقتراب منه .

كان على كوبرنيكوس أن يُخضع مسلمةَ مركزية الأرض للعقل الناقد ، ثم يخطو خطوة أخرى نحو استبدال مسلمة أخرى جديدة بها ألا وهي مسلمة مركزية الشمس.

هذا الحدث العظيم يعتبر تدشيناً لميلاد العلمانية بوصفها التفكير في النسبي بما هو نسبي ، ويشكل من الناحية المعرفية حدثاً ثورياً بالدرجة الاولى، إذ بظهور كوبرنيكوس ومن بعده جاليليو حدثت في المعرفة العلمية مايطلق عليه (القطيعة المعرفية) ، ويشير هذا المصطلح الى لحظة يتحرر فيها العقل من أسر مسلمات وأفكار مسبقة اتخذت طابع القداسة.

ولقد تمت القطيعة المعرفية بظهور نيوتن وكانط ، ولكن ماكان لها أن تتبلور في صورتها النهائية إلا بفضل محاولات سابقين أرادوا الخروج من حلقة الفكر الماضي ، ولم تكن الظروف مهيئة لهم لإحداث تلك القطيعة ، ومثالاً على ذلك ، الفيلسوف ديكارت الذي برغم عبقريته وعظمته ماكان ليتجرأ على نقد مسلمات الفكر اللاهوتي في عهده ، وذلك لأن التراكم المعرفي الممهد للقطيعة لم يكن قد وصل الى الحد المناسب لحدوثها.

وحدثت القطيعة المعرفية مرة أخرى في أوائل القرن التاسع عشر ، وبالتحديد فيما بين 1900 و 1905 ، عندما دشن العالم الألماني ماكس بلانك ميكانيك الكم ، وتلاه إينشتاين بتدشينه نظرية النسبية الصغرى ، وتغيرت جذرياً النظرة إلى العالم ، وأحدثت النظرية النسبية تصدعاً هائلاً ، إذ لم يعد الزمان والمكان مطلقين كما كان يقول نيوتن وكانط ، وإنما صارا نسبيين.

نحن لانستطيع أن نتوصل الى معرفة نهائية حول الكون وظواهره وإنما فقط إلى معرفة تقريبية قابلة للتصحيح والتعديل لاحقاً ، والدليل على ذلك ان النظريات العلمية تتوالى بعضها وراء بعض ، فالمعرفة العلمية هي المعرفة التقريبية التي تقبل التصحيح والتعديل بخلاف المعرفة الدوغماطيقية المتحجرة التي تزعم انها توصلت الى اليقين المطلق .

يجب ان نميز بين نوعين من القطيعة : قطيعة بين المعرفة العلمية الدقيقة والمعرفة العمومية الشائعة وقطيعة أخرى بين مختلف مراحل تاريخ الفكر مثل القطيعة بين الفكر اليوناني والفكر الروماني والعصور الوسطى ، والقطيعة بين العصور الوسطى والعصر الحديث.

نظرية كوبرنيكوس تشكل قطيعة بالنسبة لنظرية أرسطو في الكون ، ونظرية إينشتاين قطيعة معرفية بالنسبة لنظرية نيوتن، وتاريخ المعرفة الفلسفية والإنسانية يشير أيضاً إلى حدوث قطيعة معرفية اسمها قطيعة الحداثة مع الفكر القروسطي ، وهي قطيعة تضطر فيها البشرية الى القطيعة مع ماضيها وتصوراتها السابقة لكي تتمكن من الاستمرار .

وفي كل مرحلة تحصل قطيعة معرفية لابد أن يسبقها تراكم معرفي يؤدي في لحظة معينة الى انقلاب معرفي عميق يغير تماماً مفهوم الإنسان ورؤيته للكون وهنا يكون الموت ، أي موت القديم ضروريٌ لاستمرار الحياة ، وهذا هو جوهر حركة التاريخ، إلا ان لكل قاعدة شواذها فهناك شعوب لم تعرف القطيعة مع الماضي من وجهة نظر معرفية وبقيت تعيش مع الماضي والماضي يعيش فيها وهذا هو لب التخلف والعقم التاريخي.

*كاتب سوري 
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق