أقلامالعناوين الرئيسية

الـحـداثـة الـديـنـيـة والـعـودة إلـى كـانـط .. سـامـر بـبـيـلـي ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

اعتاد الانسان العربي على استقبال الحداثة استقبال”استطيقي” (فرع من علم الجمال ،تقدير الفن والجمال) يكتفي باستمتاع واستئناس مكاسبها التقنية الحديثة . وقد اصبح وجودنا الحالي ، بوصفنا حضارة تقيم في العالم منذ زمن بعيد ، إقامةً دينية تحولت الى ثقوب سوداء يصعب احتمالها وعلاجها معاً ، كما ان وجودنا أصبح يقول ويُحدِّث ويُحيي ويُميت باسم الدين ، سواء في تقاطعه مع الدولة أو مع الإنسان أو مع الوطن .

أشياء رهيبة تحدث اليوم باسم الدين (استشهاد ، إرهاب، جهاد، أصولية، برابرة، صراع حضارات … الخ) . نحن هنا لانقصد تجديد أو إصلاح أو نهضة ، ولا مشاريع نقد للدين ، إنما حسبنا الكشف عن طريقة لصياغة ضرب من الحداثة الدينية تواكب الحداثة العلمية والسياسية ، قائم على عقل مُدبِّر لشؤون الحقيقة ولسياسة المدينة معاً ، وأفضل تعبير صاغه جان جاك روسو في آخر فصل من العقد الاجتماعي هو تحت عنوان طريف (الدين المدني – La religion civile) .

نحن نفترض ان الغرب قد انخرط في ضرب من الحداثة الدينية مواكبة للحداثة العلمية والسياسية ، أي في استعمال حديث للدين في حدود مجرد العقل (كانط : الدين في حدود مجرد العقل ). ونحن اذ نعود مرة أخرى إلى كانط من أجل أن نبحث في فلسفته عن درب إضافي للاقتراب أكثر من انفسنا أو ممن يقومون مقام أنفسنا نحو الوصول إلى الاستعمال العقلي للدين أو استعمال الدين في حدود مجرد العقل ، وهي حداثة إن كان الغرب المسيحي قد أتقن بناءها والسير فيها ، فإن الشرق الإسلامي مازال يتعثر في تصور ملامحها الدنيا. وإن تسنى لنا التعبير في لغة المجاز الكانطي نقول لئن وجد العرب اليوم ، الى حد ما ، الدرب الآمن للحداثة العلمية والتقنية ، ولئن انخرطوا بمعنى ما كَرهاً أو طَوعاً في طريق الحداثة السياسية، فإنهم لم يسلكوا بعد الدروب الآمنة السليمة الى الحداثة الدينية.

نرى ان كانط رسم على طريقته وبفنه الفلسفي الطريق إلى الحداثة الدينية في كتاب (الدين في حدود مجرد العقل) ، ان الامر عنده يتعلق بالخروج بالدين من فضاء المِلَّة الى أفق المواطنة الكونية ، من دين عبادة الى دين عقل محض ، أي إلى دين حرية. ذلك هو معنى الحداثة الدينية التي تنقلنا من دين الاستبداد الروحاني القائم على الأوهام الدينية من جنس الخرافة والحماسة الدينية والخوارق ، الى دين الجماعة الآيتيقية القائم على العقل الأخلاقي المحض ، وعلى حسن تدبيرٍ للحرية الأصلية في الإنسان نفسه.

هل هناك دين خارج حدود العقل ؟

تكتمل معماريات الدين العقلي عند كانط بفضح لاذع للاستبداد الروحاني بوصفه مبدأ لكل دينٍ خارج حدود العقل، موقعاً نظرية فريدة في نقد الوهم الديني ، داعياً إلى دين حريةٍ ضد دين استبدادٍ ووهم. لكن طرح فيما بعد فلاسفة العصر الحديث عدة تساؤلات عن هذا الكتاب وقد أبدى “جاك دريدا” استياءً فلسفياً من أطروحة كانط، إذ يسأل : إين الإسلام واليهودية من مثل هذا الكتاب ؟ وهل أن الدين في حدود مجرد العقل هو الدين في حدود المسيحية المجردة ؟ ، كيف تستقيم إذاً حداثة دينية قائمة على الآتيقية الكونية مع مسيحية جذرية تقصي بقية المِلل والنُّحَل؟ على كل حال مادتنا للاطلاع والتفكر في إمكانية إيجاد طريقٍ نحو حداثة دينية مواكبة للعصر ..

“الدين في حدود مجرد العقل” عنوانٌ يوقع نمطاً غير مسبوق من التعامل مع الدين، لكن لماذا لم يكتب كانط نقداً للدين مثلما كتب نقداً للعقل النظري والعملي وملكة الحكم الجمالي والغائي ؟ ، هل يكون مجال الدين أخطر على الفيلسوف من مجال العقل والعمل والإبداع ؟ ، وهل تتراجع آلة النقد الحاسمة أمام موضوع الدين مخلفة بذلك ثقوباً سوداء تُشكلُ هاويةً لا قرار لها داخل المشروع النقدي الكانطي الذي لطالما تغنى بأنه لن يفلت لديه شيئ من النقد حتى أكثر التشريعات لدى كانط مثلما يصرح به بعضٌ من كبار الفلاسفة ، هو من باب المضنون به على غير أهله، أو الذي من شأنه ألا يصرح به للجمهور ؛ أو ما لايقال الا بتخييل (إبن رشد).

كيف يمكن للفيلسوف أن يسمى إذاً قوله في الدين ؟

ليس أمامه سوى أن يحتمي بالعقل ، آلته الميتافيزيقية ومعقله الخاص الذي يحميه من السقوط في فخ الرقابة من جهة ، وفي أوهام العوام من جهة اخرى. لقد قصد كانط بعنوان “الدين في حدود مجرد العقل” ، إلى ضرب من التقية الفلسفية ، حجاب جهالةٍ كافٍ لوقايته مما كان قد وقع لبروتاغوراس مع أهل أثينا. فنحن نراه يذكر في خاتمة مذهب الفضيلة من ميتافيزيقا الأخلاق في حركة تأويلية رشيقة، بمحنة بروتاغوراس وأمثاله الكثر من الفلاسفة ، يمتلك من حيلة العقل مايقيه من آلة الاضطهاد وكأنما كانط هنا ينجز انضباطاً للعقل في حجم الرقابة التي تحد استعماله من كل حدب وصوب.

لقد كان بروتاغوراس يقول : لا أستطيع أن أقر إن كان الإله موجوداً أم غير موجود ، فالمسألة معقدة والعمر قصير. كانط يقول هو أيضاً في عبارات مماثلة أن العقل البشري من جهة ماهيته نفسها بوصفه عقلاً متناهياً لايستطيع أن يحسم أبداً “إن كان هناك إله أم لا .. تلك القضية لاتهمه أصلا. لكن لنفعل (comme si) كأنما الإله موجود. اي لنفترض انه موجود ولنفعل على هذا الأساس .

إنَّ كانط يجري تحويلاً جذرياً على استراتيجية القول الفلسفي في الدين ، إذ يستبدل وقاحة بروتاغوراس العمومية بحيلة العقل النقدي الذي يصنع انضباطاً داخلياً للعقل ضد رقابة عمومية ، ويقرر أن يشتغل على ماينفع الناس بحسب مصالح العقل البشري ، أما ماتبقى فأمور ليست من شأنه اصلا.

ماهي الدلالة التي يرتضيها كانط لعبارة ( الدين من حدود مجرد العقل) ؟. هل هناك دين داخل العقل ودين خارج العقل ؟.

يشتغل كانط على دلالة عنوانه بوصفه يصلح لديه لا لتعيين موضوع كتابه فحسب، بل وخاصة الى توقيع منهج نقدي أصيل في السير بمجال الديني على درب ضرب من الحداثة الدينية القائمة على العقل ، آلة ميتافيزيقية خالصة، وعلى الحرية مفتاحاً مدنياً لابديل عنه، وعلى الإنسان أفقاً لمواطنة كونية استكشافية.

لجأ كانط للتعبير عن الفكرة إلى المجاز الهندسي ، هو الدائرة كي يصف الدين بدائرتين تشتركان في مركز واحد ، إحداهما واسعة وهي دائرة العقيدة القائمة على الوحي وديانات القصص، والأخرى ضيقة وتتضمن النواة العقلية المحضة للدين، يتعلق الأمر إذاً بالتمييز بين نوعين من الدين، دين العبادة الخاص باللاهوت، ودين العقل الذي هو مجال اشتغال الفيلسوف ، فأطروحة “الدين قي حدود مجرد العقل” تعني لدى كانط ان العقل يجرد الدين من كل مضمون تاريخي ، ويجعل منه ديناً بلا وحي ولا عبادة ولاطقوس، إنه الدين بوصفه ققط ، جملة واجبات الإنسان من جهة ماهي أوامر إلاهية. لكن إذا كان كانط يصرح بأن “الدين في حدود العقل” ليس سوى مانصت عليه الأخلاق المحضة ،

ماذا تبقى حينها من الدين بالمعنى التقني ؟

لماذا كتب كانط كتاباً في الدين إذا كان الدين الحقيقي هو الأخلاق التي يستمدها الإنسان من ماهيته الأصلية التي له بوصفه كائناً حراً ؟

حين اشتغل كانط على الدين، لم يكن يشتغل بتحليل المفاهيم الاخلاقية ،وهي المهنة التي أنجزها نقد العقل العملي ،إنما كان هدف كانط هو تغيير عقلية برمتها، إذا كان الدين يضيف شيئاً جديداً إلى مبادئ الاخلاق، فإن فلسفة الدين إنما تعد النفس من أجل أن تكون هيئة استقبال كفيلة باحتضان المفاهيم الأخلاقية ، فاشتغال كانط على الدين هو ضرب من تهذيب الأخلاق نفسها والارتقاء بها انطلاقاً من مستوى علاقة الانسان بما هو إلهي ، أي إضفاء طابع الجلالة والقداسة على الأخلاق العقلية المحضة . فالدين العقلي لدى كانط  هو أن نسلك مسالك الحياة وكأن واجبات العقل هي واجبات مقدسة ، وكأنها واجبات إلهية بدلاً عن اسم الإله ، وهي صفة لاتحمل من هنا فصاعداً الا العقل وحده.

يقول كانط : إن ديناً يعلن الحرب على العقل سوف يصبح مع مرور الزمن غير قادر على الصمود أمامه. يحصي كانط أربعة تخوم للدين هي بمثابة حدوده القصوى : الحماسة، الخرافة، النزغة الإشراقية، والقول بالخوارق . وكلها عنده أشكال من الوهم الديني التي يلقي بها خارج حدود النص وخارج حدود العقل ..

ألا تذكرنا هذه المعماريات الكانطية في الدين بمعماريات نقد العقل المحض، والحدود الاربعة للدين بالأوهام الجدلية للعقل المحض؟ إلا ان الفرق بين أوهام العقل النظري وأوهام العقل الديني واضح ودقيق عند كانط، إنه الفرق بين مايسميه كانط الأفكار المتعالية التي يدعيها العقل في مجال الميتافيزيقا ، والأفكار المفارقة التي يسقط فيها العقل في مجال الدين في حدود الوهم. إنها أفكار تبتدعها الحماسة الدينية لتسديد عجز الإنسان وضعفه أمام شره المتجذر فيه.

العقل ضد الخرافة، النقد ضد الحماسة ، والحرية ضد الاستبداد الروحاني ، ذلك شعار الحداثة الدينية التي انخرط فيها كانط بعد سبينوزا. لكن لئن اشترك كانط مع سبينوزا في مشروع تحرير العوام من الخرافة ، فان مايفرق بينهما وفق أحد النقاد، أنه إذا كان سبينوزا يقبل الأناجيل بوصفها موضوع علم وتفسير، آملا أن يجد فيها براهين ضد المؤمنين بها من أجل تحريرهم من الخرافة، فإن كانط يستغل احترام العوام للكتب المقدسة من أجل توجيهم إلى وجهة أخلاقية محضة والارتقاء بهم الى مستوى الواجب الأخلاقي حيث لا حاجة للانسان إلى أي عون خارج عن قدراته الأصلية وحريته في تدبير مصيره بنفسه. إضافة الى أن تأويل الكتب المقدسة أمر خارج عن حدود العقل وعن قدراته لدى كانط.

*إعلامي وكاتب سوري – دمشق 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق