رأي

الـثـقـافـة الـمـلـوَّثـة والشذوذ الإرادي في توجيه المنبر الثقافي .. عـلي .أ. دهـيـنـي

|| Midline-news || – الوسط …

 

لا شك أننا نعيش حالة يمكن تسميتها “مفاهيم قيد الإنشاء”، أو ترجمة موجَّهة بغرض خلق تساؤلات تتحول إلى إشكالات يجيء البحث عنها ليزيدها غموضاً عِوض أن يكشف بواعثها من خلال سبر أغوارها بحثاً عن مؤسسها أو مطلقها أو المستفيد منها.

من هذه التساؤلات ـ الإشكالات: هل الحروب البينية هي نتيجة قراءات خطئة لمفاهيم أيديولوجية لم تؤسس في جوهرها إرثاً ثقافياً يراعى فيه مستقبل الشعوب وتطورها، فكانت لتعالج مرحلة زمنية معينة لا غير، أم أسيء ترجمة عناوين هذه الأيديولوجية بما يخدم توجهات وأهداف تأسست في أصل وجودها لمحاربة، كما لإزاحة ما عداها لتكون شمولية في مداها الاجتماعي الأرحب وفي قيادة المجتمع؟

تمهيداً، برز في السنوات الأخيرة (على الأقل منذ أكثر من خمس سنوات)، ما بات يعرف بـ “الشللية”، حيث أن مجموعة ممن يتبوأون منابر إعلامية ثقافية بالتحديد، وفي مختلف مجالات النشاط الثقافي، يبادرون إلى تشخيص المنبر الثقافي وإقصاره على الأصدقاء، أو بأحسن الأحوال على من يجدون توافقاً مع رؤيتهم الثقافية. ناهيك عن سياسة المنابر المقروءة والمسموعة والمشاهدة، التي لا تخلو واحدة منها من توجه سياسي معين بحيث تقدم نفسها على أنها تملك الصواب وحدها وغيرها هباء وعبث، فتطبّل وتزمر إلى فئة (شِلّة) هي بالأصل مَنْ أوجدها لتعميم رؤيتها وتوجهها.

هذا “الشذوذ الإرادي في توجيه المنبر الثقافي” انتشر بعد كثافة صفحات التواصل الاجتماعي التي باتت تحمل آلاف الأسماء لمثقفين نادرا، أو مستثقفين غالباً. ومن تجليات هذا النحو لتلويث الثقافة أو تدجين العقل الثقافي، يبادر العديد ممن يتواجدون في حلقات ثقافية، إلى تشويه صورة حلقات ثقافية أخرى لا يجدون سبيلاً إلى التفوّق عليها في حلقتهم، فيبادرون إلى تشويه ما عداهم، ولا يهمهم إذا اعتمدوا في هذا التشويه سمعة وصورة الأشخاص القيمين على هذه الحلقات افتراء، بل إلى تشويه سمعة واسم من يرتاد حلقاتهم إذا كان يعمل في النشاط الثقافي. وهذا في عالم الثقافة بمعناها الحقيقي، اقل ما يقال فيه ، عدا دناءته، أنه جهل مدقع وليس ثقافة.

ففي الإذاعات مثلا، كل يغني على مشروعه السياسي، فيستضيف فقط من يؤيدون وجهته السياسية، بل أن هؤلاء الضيوف يصلون إلى حد المزايدة على بعضهم في ذات المنبر. وهكذا نجد هذا الأمر في أعمدة الصحف وعلى شاشات التلفزة وفي المنتديات والحلقات الأدبية.

هذا الأمر الواقع يلوّث في الحقيقة العقل المتلقي ولا يرفده بما يرقّيه ويرفعه إلى المستوى الذي من المفنرض أن يكون صفحة أو كتاباً يحوي الكثير من التضادات المعرفية ليصبح في ما بعد قوة نتاج فكري وليس بوقا ببغائياً يردد ما تلقّنه من هذا المنبر أو ذاك دون سواه.

لا نريد في هذه العجالة أن نسترسل في توصيف واقع ثقافي بات العديد من المثقفين العاملين فعلا على رفع مستوى العمل الثقافي إلى المراتب التي يستحق ـ مثل هذا المنبر (الوسط)ـ، يعرفونه ويدركونه جيداً، والحقيقة المرّة أن هؤلاء مغيبون تماماً عن الضوء ونادرا ما يتاح لهم التواصل مع متلقين.

خلاصة، نعود إلى التساؤل الذي انطلقنا منه بداية، فمن المؤسف حقيقة أن أهم القضايا التي تهم أمتنا العربية عموماً، تم تغييبها قصداً ليكون الباب مفتوحاً على تنميط مجتمعنا بما لا يمت لثقافته بصلة، بل على العكس، إن بعض المثقفين باتوا يحملون رايات الثقافات المستوردة لأنها، بصورة من الصور، ملأت جيوبهم، وحين تمتلىء الجيب يصبح العقل في عالم الغيب. لست ضد الانفتاح الثقافي على كل الثقافات بمختلف مشاربها الفكرية والأيديولوجية، بل على العكس يهمني هذا، ويجب أن يهم كل متلق أو مثقف لأنه يعني أننا نملك ثقافة قادرة على محاورة الثقافات الأخرى، أيضاً، أننا منفتحون لتقبُّل الآخر بما هو وبما يمثله، ولسنا منغلقون على قاعدة “عنزة ولو طارت”. وعلينا أن لا نكون من أولئك الذين يصبون جام غضبهم على معارضيهم الرأي والموقف، لأن هذا يفقد أي ثقافة قيمتها ويذهب بريق جوهرها. إن تعملون في حقل الثقافة فعلا، أثبتوا أنكم مثقفون.

* أديب لبناني – رئيس تحرير  مجلة “مدارك ثقافية” الإلكترونية

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق