العناوين الرئيسيةحرف و لون

“الغريب” .. فرحان الخطيب

لوحة: عامر الخطيب

|| Midline-news || – الوسط …
.

قد يَبّسَ القلبَ مُرُّ البعدِ عن وطني
كزهرةٍ شلّعتها الريحُ عن فننِ
هبّتْ عواصفُ أيامي تدحرجُها
لم ببقَ منها سوى عطرٍ يذكرني
غرّبتُ معتمرا غيما وبعضَ صدى
بل غرّبتْ شمسها من شدة المحنِ
غرّبتُ ، غمّضتُ عيني عن ضحى بلدي
جُنّتْ .. فراحتْ الى الهلّاك تقذفني
كأنني لم أذقٌْ ملحا بمَخْبزها
او انها نسيتْ ملحا تملّحني
أمشي ، أضمُّ المنى أعدو أطاردها
في غفلة العمر ، بل من رجفة الزّمنِ
وبين جَفنيْ عينِ البحرِ واجدني
موجٌ تعاصفَ بي ، موج يغرّقني
حتى وصلتُ بلادا لستُ اعرفها
وهي البلادُ التي ، والحقّ تجهلُني
* * *
لمْلَمْتُ كل المواويل التي مخرتْ
عباب رأسي وألقتني على وهني
ورحتُ اذكرُ بابَ الدار كم شهقتْ
عينٌ لمفتاحهِ الراحتْ تودّعني
كأنها عينُ أمي إذ تُبَسْملُني
فتدمعُ العينُ من نافورة الشجن
وهي الأمومةُ كالأشجار ليس لها
إلا حنين اصطبارٍ وهي تنطرني
فقلتُ يا أمُّ عيناكِ وضوؤهما
هما دليلاي لو تاهتْ بنا سفني
امّاهُ عندي تحايا كيف ابعثها !؟
وروحك الان تدري مايعذبني
اماه جسمي هنا قلبي يغادرني
فاستقبليهِ ، فهذا الوقتُ شطّرني
لو دمّعتْ عينك اليسرى بكيتُ هنا
او أن يسراك رفّ الجفنُ ، رجّفني
هنا تآكلَ وجهي لم أذقْ قبلا
كطعمِ تلك التي امّي تقبّلني
* * *
هاجرتُ ، مالوّنتْ عمري مذ اكتحلتْ
عيناي ، الا عذاباتٌ تؤرّقني
هناك نجمُ سماءِ الشّام لوّحَ لي
أما هنا ، فنجوم الكون لم تَرني
وكنت كم ارتوي من عين فيجتنا
وصرتُ في الهجر ،نهر السين عطّشني
وكنتُ ، أغصانُ عمري جدّ مزهرةٌ
والهجرُ ماعاد رغم الرغد ، زهّرني
وكنت كالغوطة الفيحاء ذا ألق
وكنت نهرا ، وهذا البعد جَدْوَلَني
وأذكر الأرض كم وافيت ُروضتها
على امتداد الضحى مرجا يُخضّرني
وصرتُ زرعا هنا ، لا لستُ أحملها
غرائرَ القمح ، بل ما عدتُ أحْملني
* * *
اجولُ مابينَ اسواقٍ تُشعْشِعُني
والشو قُ للأهل عن طفليّ ، عتّمني
لو أنّ ليلى معي لبّسْتُها رهجا
لكثرةِ الزينة اللألاءِ في المُدن
وكنت أهديتُها ما كنتُ واعدَها
وكنتُ حَلّيتُها من فاخر الثّمن
لو ان سعدا معي بدراً لرحلتنا
يلهو كما شاءَ ، مزّاحا يولدنني
كانت شقاوتهُ المجنونةُ اضطرمتْ
يقطّف الضوءَ عن العاب تبهرني
يا أيها النهرُ ، سِرُّ الشام ، يابردى
خذني الى وطني، عِدني تُرجّعُني
* * *
انا الغريبُ هنا لاشيءَ يفرحني
ُمذْ جئتُ أحملُ أحزاني على كفني
وَرَّقْتُ بوحيَ من آهات مَحْبرَتي
اما يراعي هنا ، ماعاد يكتبُني
امشي وحيدا ، أعدُّ الناسَ ، ارقُمها
مارفّ قلبي إلى أيٍّ يؤانسُني
هنا تُضيّعني الأصواتُ ، تعجُمني
لو انّ صوتي معي ، لابدّ عَنْدَلني
وصرتُ في غصّةٍ شالتْ هراوتَها
باتتْ تطاردُ روحي بي ، وتنهرُني
كأنني طائرٌ من دونِ أجنحةٍ
من دونِ زقزقةٍ ، والجوُّ يخنقُني
قد ضيّعتْني هنا ، مهزومةٌ لغتي
أمشي كأنّي هنا ، ما عدتُ أشْبِهُني
مايَبّسَ القلبَ ، لاجوعٌ ولاعطشٌ

مايبّسَ القلبَ ، هذا البعدُ عن وطني
.

*شاعر من سورية
*اللوحة للفنان التشكيلي عامر الخطيب- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى