دراسات وأبحاث

الغرور الأنطولوجي للإنسان .. “مرفق فيلم وثائقي مترجم من الفرنسية” .. نجيب البكوشي ..

نص مستمدّ من وثائقي بعنوان "الإنسان ليس فريدا" L'Homme n'est pas unique"

|| Midline-news || – الوسط …

♦  الإنسان لا يسكن مركز الكون …

منذ فجر التاريخ، اعتقد الإنسان، أنّه يعيش في مركز الكون، وان كل الكائنات المحيطة به، قد خُلقت لأجله ومُسخّرة له. دعمت الأساطير والفلسفات القديمة والأديان هذا الإعتقاد الخاطئ، ممّا أحاط به هالة من القدسية. انتظرت الإنسانية سنة 1543 تاريخ ظهور كتاب كوبرنيك، حول دوران الأجرام السّماوية”De  Revolutionibus Orbium Coelestium”، لتكتشف سذاجة فكرة مركزية الأرض للكون لبطليموس Ptolémée، التي هيمنت على الفكر البشري لعدّة قرون.

انتزعت ثورة كوبرنيك المركزية من الأرض لتمنحها للشمس، ثم توالت الإكتشافات العلمية للإنسان، لتثبت أنه يسكن كوكبا صغيرا داخل المجرّة الشمسية، يدور حول نفسه وحول الشمس بسرعة 100 الف كلم في الساعة دون أن يدرك الإنسان ذلك.

الشمس التي نالت شرف المركز، والتي تدور حولها الأرض بمعية سبعة كواكب أخرى تكوّن نظامنا الشمسي وهي: عطارد، والزهرة، والمرّيخ، والمشتري، وزحل، وأورانوس، ونبتون، ليست هي اكبر نجوم السماء كما يعتقد البعض، بل هي نجم من الحجم الصغير، سوف ينطفئ بعد حوالي خمسة مليار سنة، وتوجد نجوم أخرى في الكون أكبر منه حجما بكثير، من اهمها النجم “يو واي سكوتي UY Scuti الذي يبلغ حجمه حوالي 1700 مرة حجم الشمس، ويبعد عنها حوالي 9500 سنة ضوئية.

عدد النجوم في السماء لا متناه، فقط مجرّة درب التبانة، التي ينتمي إليها نظامنا الشمسي، يوجد فيها بين 100 مليار و400 مليار نجم. النجوم التي نراها ليلا عددها يساوي عدد قطرات الماء في المحيطات او عدد حبات الرمل في كل الصحاري والشواطئ.

الأرض التي نعيش على سطحها، هي كوكب صغير يدور حول الشمس، ونظامنا الشمسي برمّته، هو نقطة صغيرة داخل مجرة درب التبانة، ومجرّة درب التبانة بدورها، هي نقطة لا معنى لها في كون فسيح، عدد مجرّاته لا تُحصى ولا تعدّ.

اضطر العلماء لقيس المسافات العملاقة الفاصلة بين الكواكب، إلي وضع وحدة قيس خاصة، وهي السنة الضوئية، التي تساوي المسافة التي يقطعها الضوء مدة سنة، وتبلغ 10000 مليار كلم، أمّا سرعة الضوء فتبلغ حوالي 300 الف كلم في الثانية.

 ♦  نشأة الكون من الميثولوجيا إلى العلم …

منذ القديم، أثار سؤال نشأة الكون دهشة الإنسان، وحاول ان يقدّم له إجابة تُخفّف من وطأة قلقه الوجودي.

هيمنت الأسطورة والدين والفلسفة خاصة الأرسطية منها على مقاربات الفكر الإنساني حول نشأة الكون، قبل أن تترك مكانها لبداهة الحقيقة العلمية مع ظهور الحداثة. وقد مثّل اكتشاف قانون الجاذبية الأرضية من طرف إسحاق نيوتن  Isaac Newton سنة 1687، استنادا إلى اعمال غاليليو غاليلي،Galileo Galilei ويوهانس كبلر Johannes Kepler ؛ منعرجاً هاماً في تفسير حركة الكواكب، حيث استنتج نيوتن انه توجد: “قوة تجاذب بين أي جسمين في الكون، تتناسب طرديًا مع حاصل ضرب كتلتيهما، وعكسيًا مع مربع المسافة بين مركزي الكتلتين”.

مع بداية القرن العشرين أحدثت اعمال ألبير اينشتاين، Albert Einstein وخاصّة نظريته حول النسبية، قطيعة ابستمولوجية مع مفهومي الزمان والمكان المطلقين عند نيوتن، وسوف تكون نظريته، الحاضنة الفيزيائية لنظرية “الإنفجار العظيم” Big Bang ،كإجابة علمية ومنطقية لنشأة الكون.

استغرق تشكّل نظرية الإنفجار العظيم، حوالي أربعة عقود، كانت البداية سنة   1922 مع العالم الروسي ألكسندر فريدمان Alexandre Friedmann، والذي قدّم استنادا إلى نظرية النسبية العامة لألبير آينشتاين معادلات رياضية، تعرف بمعادلات فريدمان، تثبت نظرية تمدّد الكون. ثم قدّم عالم الفلك والقسّ البلجيكي، جورج لوماتر Georges Le maître سنة 1927 بحثا علميا، حمل عنوان: “كون متجانس ذو كتلة ثابتة، ويتسع مسبباً دوران السدم خارج المجرة”، اثبت فيه فكرة فريدمان حول تمدد الكون. وفي محاضرة له سنة 1931 أمام الجمعية البريطانية للتقدّم العلمي، تحدث لوماتر، لأوّل مرّة عن فرضية بداية الكون اثر انفجار “الذرّة الأولى”، وهي نقطة مفردة شديدة الكثافة وحرارتها مرتفعة جدّا. سُميت النظرية في ما بعد بنظرية الإنفجار العظيم Big Bang، وأطلق عليها هذا الاسم من باب السخرية، عالم الرياضيات والفلك البريطاني، فراد هويل Fred Hoyle، الذي كان من أشدّ المناهضين لهذه الأطروحة.

سنة 1929، أعطى عالم الفلك الأمريكي، إدوين هابل Edwin Hubble، دليلا رصديا عبر التلسكوب لنظرية لوماتر – فريدمان، حيث اكتشف أن المجرات تتباعد، وان الكون يتمدد، داحضا بذلك فكرة ثبات الكون التي صاغها ألبير انشتاين مع ويليم دي سيتير Willem de Sitter؛ وبذلك عوّض قانون هابل في الفيزياء الكونية المعاصرة، الثابت الكوني لأنشتاين.

جاذبية نيوتن، ونسبية انشتاين، ومعادلات فريدمان، وأبحاث لوماتر، وتلسكوب ادوين هابل، كلّها مجتمعة منحتنا فرضية الإنفجار العظيم Big Bang، التي تؤكد ان الكون حادث ويتمدّد بإستمرار، وبالتالي له تاريخ، وليس قديما أزليا، كما ذهب إلى ذلك الفيلسوف اليوناني أرسطو؛ ويبلغ عمره استنادا إلى رصد إشعاع الخلفيّة الكونية CBM حوالي 13.8 مليار سنة. اما عمر كوكب الأرض فهو في حدود 4.5 مليار سنة، وليس 6000 سنة كما أشار إلى ذلك الكتاب المقدّس.

الحقيقة العلمية تصطدم بالحقيقة الدينية، لأن الحقيقة العلمية تقوم على الملاحظة، والبحث، والاستقراء، ثم الاستنتاج، ومن اهم مميزاتها انها نسبية وقابلة للدحض؛ أما الحقيقة الدينية فهي حقيقة مطلقة، ولا تخضع لا للملاحظة، ولا التجريب، لذلك قال غاليليو غاليلي، قبل قرون مخاطبا رجال الكنيسة :”الكتاب المقدّس يرشدنا إلى الطريق للسير نحو السماء، لا كيف تسير السماوات  The Bible shows the way to go to heaven, not the way the heavens go”.

الأرض، تلك النقطة الزرقاء في الصحراء الكونية القاحلة، كما رآها الإنسان لأول مرّة في التاريخ، من خلال صورة الرخام الأزرق  The Blue Marble، التي التقطتها لها رواد المركبة الفضائية الأمريكية أبولو 17 يوم 7 ديسمبر سنة 1972 من مسافة 29000 كيلومتر؛ ليست إلاّ مجرّد شظية صغيرة جدا، انطلقت من انفجار عظيم منذ 13.8 مليار سنة، وتسبح في كون لا متناه.

  الإنسان يخضع لقانون التطور وليس سيّدا ومالكا لكوكب الأرض …

إذا كتبنا تاريخ كوكب الأرض، الذي يمتد على مساحة زمنية تقدّر ب 4.5 مليار سنة في كتاب من 1000 صفحة، ظهور الحياة سوف يكون في الصفحة 185، وسوف تتواصل الحياة على شكل خلية بسيطة على امتداد 700 صفحة كاملة، ثم سوف تظهر الكائنات المتعددة الخلايا بين الصفحة 870 والصفحة 880، خروج الكائنات الحية من الماء لا يكون إلا في حدود الصفحة 916. طوال هذه المدة سوف يشهد كوكب الأرض عدة أزمات حادة اهمها كارثة حدثت منذ 250 مليون سنة، نتجت عن نشاط جيولوجي إثر تحرّك الصفائح التكتونية للكرة الأرضية، كادت خلالها ان تختفي الحياة نهائيا، حيث تسببت هذه الأزمة في انقراض70٪ من الكائنات البرية، و96٪ من الكائنات البحرية. ظل كوكب الأرض 10 ملايين سنة كي يستعيد الحياة من جديد وتظهر فيه كائنات جديدة من اهمها الديناصورات في حدود الصفحة 960 من كتاب حياة كوكب الأرض.

قصة الإنسان، منذ ظهوره إلى اليوم، سوف تكون في بضعة أسطر في آخر صفحة من الكتاب. تاريخ الإنسان لا يمثل سوى 0.004٪ من تاريخ كوكب الأرض. الإنسان مجرّد تفصيل صغير جدا في كتاب حياة الأرض.

يُقدّر العلماء، عدد الكائنات الحية على سطح الأرض، بين 7 مليون و100 مليون نوع، لم يكتشف منها الإنسان إلا 10٪ فقط. صنّف الإنسان نفسه بيولوجيا ضمن عائلة الثديات، مثل الغوريلا، والفيل والخفاش، وسمك الأوركا؛ يوجد في عائلة الثديات حوالي 5000 نوع، و يوجد أكثر من عشرة أضعاف هذا العدد في عائلة الفقاريات. الإنسان كائن فِقري من بين 70000حيوان فِقري يعيش على كوكب الأرض فهو مجرّد ورقة في شجرة كبيرة جدا، وهذه الشجرة توجد في غابة من الأشجار مترامية الأطراف؛ لأنّ الفقاريات ليست الكائنات الأكثر عددا على كوكب الأرض، تمّ حتى الآن اكتشاف حوالي 1.25 مليون نوع من الحيوانات اللافقرية، فقط في عائلة الخنفساء نعرف أكثر من 300 الف نوع، زد إلى جانب الحيوانات يعيش فوق سطح الأرض حوالي 350000 نبات، واذا احتسبنا البكتريا و الفيروسات وبقية الكائنات ذات الخلية الواحدة، ضمن الكائنات الحية، فسوف يكون رقم الكائنات الحية على كوكب الأرض حوالي 1000 مليار نوع.

كما انتظرت الإنسانية ظهور كتاب كوبرنيك،”حول دوران الأجرام السّماوية” سنة 1543 كي تبدأ في مراجعة فكرة مركزية الأرض للكون، فإنها سوف تنتظر كذلك ظهور كتاب شارل داروين Charles Darwin، “أصل الانواع”سنة 1859 لتبدأ في مراجعة فكرة الخلق الإلهي الكامل للكائنات و تعويضها تدريجيا بفكرة التطوّر والإنتقاء الطبيعيين. الحقائق التي عاد بها شارل داروين بعد رحلة دامت خمس سنوات على متن السفينة الملكية بيغل Beagle سوف تضع حدا للحقيقة المقدّسة لسفينة نوح، التي تقول الأسطورة الدينية أنه جمّع فيها زوجين إثنين من كل نوع من أنواع الحيوانات لإنقاذ الحياة من الطوفان العظيم.

لاحظ داروين في رحلته أن الطيور التي صادفها في جزر غالاباغوس Galápagos تختلف من جزيرة الى أخرى، واستنتج أن الأنواع التي تبقى على قيد الحياة هي الأكثر ملاءمة مع البيئة التي تعيش فيها، ومع مرور الزمن، سوف تغير تلك الأنواع ميزاتها وخصائصها لتنسجم مع بيئتها.

الإنسان بدوره مثل بقية الكائنات الحية سوف يخضع لقانون التطور. عكس الفكرة العامية الرائجة، التي غذتها الكنيسة وأصحاب نظرية الخلق، لا تدّعي نظرية التطور ان الإنسان انحدر من القردة العليا التي تعيش معنا على كوكب الأرض اليوم، والتي يقدّر عددها بحوالي 250 نوع من اهمها: الشامبانزي و الغوريلا والبونوبو؛ بل تقدّم فرضية علمية مفادها، وجود جذع بيولوجي مشترك بين القردة العليا Hominidae والإنسان الأول قبل سبعة ملايين سنة في شرق القارة الإفريقية، حيث وقعت طفرة جينية داخل هذا النوع أدت إلى ظهور نوع جديد وهو؛ الأرديبيتيكوس Ardipithecus Ramidus: عاش هذا النوع قبل نحو 4.5 مليون سنة تقريباً شرق قارة افريقيا في أثيوبيا وكينيا اليوم، ولا يتجاوز طوله 1.2متر، ووزنه كان في حدود 40كغ، وهو أول من بدأ بالمشي منتصباً لمسافات قصيرة. كان يراوح في حركته بين المشي وتسلق الأشجار. ثمّ جاء بعده، أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس Australopithecus afarensis: عاش هذا النوع، في الفترة بين2.9 و 3.9 مليون سنة تقريباً، وكان أكثر طولاً، وأكثر نحافة من جنس الأرديبيتيكوس، وتعتبر أحفورية “لوسى” Lucy التي عثر عليها في إقليم عفار بأثيوبيا عام 1974، الدليل المادي على وجود هذا النوع. ثمّ خلفه الإنسان الماهر Homo habilis: وهو النوع الأول الذي استخدم الادوات، وعاش في الفترة الممتدة بين 2.3 و  1.5 مليون سنة في شرق القارة الإفريقية. ثم ظهر الإنسان المنتصب  Homo Erectus: الذي عاش في الفترة بين نحو مليوني سنة إلى 143 ألف سنة، تراوح طوله بين 1.5 و 1.65م، ووزنه بين 45 و55 كغ. حرر الانتصاب بشكل كامل يدي الإنسان الأول، ودفعه لاكتساب مهارة في استعمال الأدوات. ثم جاء إنسان هايدلبيرغ Homo Heidelbergensis: وهو أول إنسان يعيش في المناخ البارد، عاش في قارتي أوروبا وآسيا، وأجزاء من أفريقيا، في الفترة بين قبل 200 و700 الف سنة، يبلغ طوله نحو 1.8م، وله تكوين عضلي أكبر من الإنسان الحالي، استخدم الرماح للصيد، والنار للطهي، ومنه انحدر إنسان النياندرتال Homo neanderthalensis الذي عاش قبل 350 الف سنة، وكان  يدفن موتاه، وعاصر هذا الإنسان البدائي الإنسان الحالي وهو الإنسان العاقل Homo Sapiens مدة 150 الف سنة، ثم انقرض قبل حوالي 24 الف سنة.

الإنسان العاقل Homo Sapiens لم يكن الوحيد على كوكب الأرض ولكنّه الأخير، ومنذ ظهور الحياة 99.99٪ من الكائنات الحية التي عاشت على سطح كوكب الأرض انقرضت؛ لا شيء يثبت ان الإنسان  أبديا او ان لا يكون مصيره مثل مصير اسلافه الذين انقرضوا جميعا.

  الإنسان ليس مميزا عن بقية الكائنات الحية …

ليس الإنسان الكائن الحي الأكثر عددا، رغم وجود أكثر من 7 مليارات من البشر على سطح الأرض، فالدجاج مثلا عدده ثلاثة أضعاف عدد البشر، والكتلة الحيوية للبشر جميعا Biomasse أقل من الكتلة الحيوية للنمل.

صحيح أن الإنسان، هو الكائن الوحيد الذي تمكن من تطوير ملكة الذكاء، ويملك دماغا نوعيا يمكنه من الفهم والإدراك والتوقّع والإبداع والإستشراف، لكن الذكاء ليس حكرا عليه، بل توجد كائنات أخرى لها قدر لا يستهان به من الذكاء، بفضل قدرتها على التعلم واكتساب الخبرة بالتدريب، مثل القردة العليا، والفيلة، والدلافين، والغربان، والبَبَّغاوات والخنازير، والعناكب، والصقور، وغيرها.الغربان تكسر الجوز برميه تحت عجلات السيارات المارة في الطريق. صقور النار في أستراليا هي السبب الثالث في نشر الحرائق بعد الإنسان والصواعق، حيث تحمل الأعواد المشتعلة بين مخالبها وبمناقيرها لترمي بها فوق الأعشاب الجافة، ثم تمكث في انتظار القوارض الفارة من الحريق لتصطادها.الإنسان لا يستطيع تحديد طريقه دون تطبيق تحديد المواقع GPS، في حين أن الحيوانات لها قدرة عجيبة على تحديد محيطها الجغرافي بدقة، والقيام بهجرات عابرة للقارات أحيانا. النمل اكتشف قبل ظهور الإنسان بمئات آلاف السنين، الزراعة وتربية الحيوانات الأخرى élevage، والتفاوت الإجتماعي، وتقسيم العمل travail à la chaîne، وخطوط التواصل Réseaux de communication. العديد من اختراعات الإنسان اليوم،  هي مجرد نسخ رديئة مستوحاة من الكائنات التي تعيش حوله. رغم ما احرزه الإنسان من تقدم علمي، فإنه عجز إلى حد الآن عن صناعة خيط حرير يضاهي في صلابته ومرونته خيط الحرير الذي تنسجه العنكبوت لصيد فريستها.

علم نفس الحيوان الذي يتناول بالدرس السلوك الحيواني، أصبح مبحثا هاما في العلوم المعاصرة، وتمثل أعمال العالم الهولندي “فرانس دي فال” France de Wall إضافة نوعية في هذا المجال ومن اهمّها مؤلفيه “السياسة عند الشامبانزي” و”القردة داخلنا”، حيث بين محدودية أطروحات المدرسة السلوكية في علم نفس الحيوان، وأثبت أن سلوك الحيوان لا تحدده ثنائية الحافز والعقاب فحسب، بل أنه يمتلك قدرات فكرية أو عقلية لا علاقة لها بغرائزه.

اللغة كأداة تواصل كذلك ليست حكرا على الإنسان، اغلب الحيوانات تتواصل بأشكال مختلفة، النحل بإمكانه ان يدلّ على مكان الأزهار ونوعيتها وهو يرقص. القردة يمكنها فهم لغة الإشارة ويمكنها نقلها لآخرين ولها قدرة على الحساب الذهني تفوق قدرة الأطفال الصغار. الأشجار تتواصل في ما بينها، شجرة الاكاسيا مثلا تحذّر بقية الأشجار من الخطر عبر بعث مواد كيميائية، وبموجب ذلك الإنذار تقوم الأشجار بوضع مادة التوكسين Toxine في اوراقها حتى لا تأكلها الحيوانات العشبة.

الإنسان كذلك ليس الكائن الأكبر حجما، ولا الأكثر قوة، ولا الأطول عمرا؛ بعض أنواع السلحفاة يمكنها أن تعيش أكثر من 200 عام، وبعض أنواع المرجان و الإسفنج في البحر يمكنها العيش آلاف السنين، بل ان بعض أنواع قناديل البحر،”توريتوبسيس” Turritopsis، يتمتع بقدرات عجيبة، تجعله خالدا لايموت في حالة عدم تعرضه لخطر خارجي، فهو قادر على تجديد خلاياه بشكل دائم. نجوم البحر لو بقي لها ذراع واحد، بامكانها أن تجدد كل جسمها وكل الأذرع الأخرى التي فقدتها. أما خنزير الطحلب او بطيء المشية Tardigrade الذي وصفه لأول مرة القس الألماني (يوهان أغسطس افرايم جوزيه) سنة 1773، فهو كائن مجهري لا يتجاوز طوله نصف المليمتر، يمكنه العيش في أي مكان فوق سطح الأرض، في أعماق المحيطات او فوق قمم جبال الهملايا، في المياه الساخنة أو في المحيط المتجمد، يتأقلم مع درجة حرارة تبلغ 270 درجة تحت الصفر ويتحمّل درجة حرارة تبلغ 150 مائوية، ويمكنه العيش لسنوات دون اكل او ماء او حتى أوكسجين.

الإنسان المسكون بروح المنافسة والتحدي، يعتقد انه خُلق ليتجاوز الآخرين، وهو ما يجسّده الشعار الأولمبي المكتوب باللاتنية CTTUS, ALTIUS, FORTIUS اي أسرع، أقوى، أعلى؛ لكنه في الحقيقة ليس الكائن الأسرع أو الأقوى ، وليس الفهد فحسب بإمكانه ان يتجاوز بسهولة بطل العالم في العدو السريع، بل مجرد ذبابة بإمكانها تجاوزه. ولا يستطيع أي بطل في رياضة رفع الأثقال منافسة خنفساء وحيد القرن التي لها القدرة على حمل 850 مرّة وزنها الخاص، أي كأن يحمل انسان 65 طنا دون الحاجة إلى أي تدريب.

الإنسان كذلك، لم يطوّر حواسه مثل بقية الكائنات الأخرى، فهو لا يرى بعيدا، ولا يرى في الظلام، ولا يرى الأشعة ما فوق البنفسجية وما تحت الحمراء، ولا يدرك الموجات فوق الصوتية، ولا الحقول الكهرومغناطيسية.

  الإنسان ليس إنساناً في كليته …

أثبتت الدراسات العلمية مع ظهور تقنيات التحليل الجزيئي، ان خلايا الإنسان ليست إنسانية 100٪ وأن 10٪ من الجينوم البشري يتكون من فيروسات غريبة عن الإنسان. تتعايش أجسامنا مع كائنات دقيقة من البكتيريا والفطريات و الفيروسات، يفوق عددها عدد خلايا الجسم يطلق عليها “الميكروبيوت”Microbiote تلعب دورا رئيسيا في هضم الطعام، وإنتاج الفيتامينات، وتنظيم جهاز المناعة.

تنتشر هذه الكائنات المجهرية في الأمعاء وفوق الجلد وفي الجهاز التنفسي والتناسلي والبول؛ حيث تغطّي عشرات الآلاف من الكائنات المجهرية جلد الإنسان لحمايته من الجراثيم والتعفن، ويوجد حوالي كيلوغرامين من البكتيريا في امعائه تلعب دورا رئيسيا في تحلّل وهضم المواد الغذائية المعقدة التي يأكلها مثل الألياف والتي يصعب على الجهاز الهضمي العلوي تفكيكها.هذا التنوع الميكريبيوتي يقي الإنسان من أمراض خطيرة مثل السكري والسمنة والالتهاب المعوي.

نرث هذه البكتيريا من أرحام أمهاتنا عند الولادة الطبيعية، فهي جزء من ميكروبيوت المهبل، لذلك يعاني الأطفال الذين يولدون بعملية قيصرية من نقص في حجم هذه البكتيريا، مما يسبب لهم في مشاكل صحية لاحقا. كل إنسان يحمل داخله ميكروبيوت خاص به يفرز رائحة خاصة من جسمه متفرّدة، مثل تفرّد بصمته الوراثية. جسم الإنسان هو نظام ايكولوجي Écosystème على درجة كبيرة من التعقيد وليس انسانيا 100٪، يتكوّن من ترليون خلية بشرية، تتعايش مع أضعاف عددها من الكائنات المجهرية الغريبة عنه جينيا والتي من دونها لا يستطيع الحياة.

  كوكب الأرض وعصر الإنسان …

كلّ العصور الجيولوجية التي مرّت بها الأرض على امتداد مليارات السنين، أسهمت في تطوير الحياة على سطحها، ولكن منذ ظهور الإنسان وبداية ما اصطلح على تسميته بعصر “الأنثروبوسين”L’Anthropocène، أي عصر الإنسان، أصبحت تلك الحياة مهددة. كل دقيقة، يمنح الإنسان الحياة لحوالي 250 مولودا ولكنه ينتج في الدقيقة ذاتها 4 آلاف طن من الفضلات. كل يوم، يصنع الإنسان 240 الف سيارة ويتسبب في انقراض 400 كائن حي. كل عام، يدمر الإنسان 13 مليون هكتار من الغابات التي توفر الأوكسجين وتمتص غاز ثاني أكسيد الكربون.الأرض، التي ارتفعت درجة حرارتها بسبب الاحتباس الحراري الذي نتج عن الغازات المنبعثة من المصانع، لن تتحمل سطوة الإنسان إلى ما لا نهاية، وقد رأى بأم عينه ردود أفعالها في كارثة تسونامي سنة 2004، واعصار كاترينا الذي ضرب الولايات المتحدة في 2005، واعصار الفليبين، واعصار جونو في2007، وفيضانات جدة 2009 في المملكة العربية السعودية، وزلزال هاييتي، واخر تلك الكوارث فيروس كورونا المستجد؛ الإنسانية التي حققت تقدما هائلا في المجال الطبي، وتعمل مختبراتها على تطوير عقاقير يمكنها تدمير خلايا وجينات الشيخوخة، تقف عاجزة أمام فيروس دون مرتبة الكائن الحي.

الإنسان، منذ ظهوره المتأخّر على سطح كوكب الأرض، لوّث المحيطات، والبحار، والأنهار، والجبال، والصحاري، والفضاء، وخلق الحروب، والتمييز العنصري، والعبودية، والكراهية، و التعذيب، ولكنه اكتشف كذلك الكتابة وابدع الفن والفلسفة والعلوم، وخلق القيم والتجارة والاقتصاد والسياسة ومشى على سطح القمر، اليوم هذا الكائن التراجيدي الذي تحكمه ثنائية الوجود والعدم، عليه أن يختار بين غروره الأنطولوجي وبين وجوده ذاته.

*نجيب البكوشي – باحث في الفلسفة السياسية 
*هذا النص، الذي أضعه بين يدي القارئ، مستمدّ من شريط وثائقي هام جدا، بثته قناة Arte الفرنسية الألمانية، منذ سنة، بعنوان “الإنسان ليس فريدا” L’Homme n’est pas unique. تعميما للفائدة، قمت بترجمة الشريط، لأول مرة إلى اللغة العربية

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق