رأي

العصا الأميركية في لبنان/بقلم نبيه البرجي

العصا الأميركية في لبنان

ماذا قال مايك بومبيو للشخصيات اللبنانية التي اتصل بها؟ “لا نريد “حزب الله” , ولا ظلاً لهذا الحزب , في الحكومة العتيدة” !
الكلام لم يبق وراء الضوء . الاتصالات التي جرت منذ استقالة الرئيس سعد الحريري أظهرت أن ثمة يداً غليظة , ربما عصا غليظة , حالت دون أي تسوية للوضع .
هنا المفترق الخطير . لا نتصور أن الأميركيين لا يفقهون ما يعنيه بقاء لبنان من دون حكومة , أو الاتيان بحكومة مفخخة لا تأخذ بالاعتبار البعد السياسي , كما البعد الاستراتيجي , للأزمة .
هذا لا ينفي , قطعاً , مدى التخلخل الاقتصادي , والمالي, والاجتماعي الذي يعصف بالبلاد . الحكومات المتعاقبة بدت وكأنها تتولى ادارة الجمهورية من أحد المنتجعات في جهنم . لا اكتراث بالتداعيات الكارثية للايقاع الذي تأخذه المسارات السياسية , والاقتصادية , والمالية , على السواء .
الفرنسيون علموا بالموقف الأميركي . حديث عن اتصالات حساسة , ومكثفة , بين الاليزيه والبيت الأبيض . أي عقوبات سياسية , تعقب العقوبات المالية على “حزب الله” , ستكون لها انعكاسات فائقة الخطورة على المشهد اللبناني . هذا ليس من مصلحة الولايات المتحدة , ولا من مصلحة أي من حلفائها في الاقليم .
للعلم , الفرنسيون والمصريون سألوا ماذا كان يمكن أن يحدث لو كانت الترسانة العسكرية للحزب في يد أي تشكيل سياسي آخر ؟
لا معلومات موثوقة حول نتائج تلك الاتصالات . محادثات الموفد الفرنسي قد تلقي الضوء على نظرة البعض في “نصف الكرة الغربي” الى الحدث اللبناني , والى أين يمكن أن تصل الاحتمالات اذا ما دخلت عملية تأليف الحكومة في خارطة الصراعات , أو اذا ما تحولت هذه العملية الى ورقة في التجاذبات الديبلوماسية الراهنة .
ذلك البعض يعنيه بقاء لبنان بتوازناته المعهودة , ولكن برؤية , وبديناميكية , مختلفة بعدما زعزعت التظاهرات الطبقة السياسية الموغلة في ثقافة المافيا , وفي ثقافة الطائفة, لا في ثقافة الدولة ولو بالحد الأدنى من الضمير السياسي .
مثلما البعد الدولي , والبعد الاقليمي , بات جزءاً من الحالة الاحتجاجية التي غطت لبنان من أدناه الى أقصاه , وأظهرت كيف ان النخبة الحاكمة لا تصلح حتى لادارة مزرعة للماعز, البعد اياه بات جزءاً من السياقات الخاصة بتشكيل الحكومة . هذا ما اقتضى اضطلاع باريس بدور ما توصلاً الى تصور يحول دون السقوط الأخير في الهاوية .
هذا قد لا يقنع بعض أهل السياسة الذين احترفوا اللعب داخل شقوق الجدران . ثمة من يحاول غسل يديه من الواقع التراجيدي الذي انتهىت اليه الجمهورية . هل هذا هو الوقت الملائم للحملة على “النظام السوري” ؟ وهل يمكن للحملة أن تكون بريئة , وقد أثبت العديد من أولياء الأمر أنهم الأشد سؤاً , والأشد هولاً , على امتداد الكرة الأرضية ؟
أيضاً , ما الداعي , والبلاد تغوص , أكثر فأكثر , في القاع , لزج الاشتباكات الجيوسياسية , والجيوستراتيجية , في اللعبة الداخلية , الا اذا كان هناك من يراهن على أن يحكم الدولة الشقيقة أبو عمر الشيشاني , أوأبو جعفر الداغستاني , أوأبو محمد الجولاني ؟ ثم هل تمكن المقارنة بين مستوى الفساد في سوريا ومستوى الفساد في لبنان ؟
أنظروا الى الكهرباء بعد تسع سنوات من الحروب الطاحنة , وانظروا الى الاوتوستراد المضاء بين جديدة يابوس ودمشق , ثم اسألوا ما اذا كانت الطريق بين المصنع وبيروت تليق بالطناير …
هذا اذا أغفلنا جبل الدين العام الذي يطبق على أرواحنا . الأولوية لآلامنا . أنصاف الآلهة جعلوا منا أنصاف البشر , بذلك المستوى من الهشاشة , ومن القابلية للانفجار . ألا نتمنى , والحال هذه , أن نكون في جمهورية كيم جونغ ـ أون على أن نكون في … جمهورية علي بابا والأربعين حرامي ؟!

نبيه البرجي

باحث وكاتب لبناني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق