إضاءاتالعناوين الرئيسية

العزلة المضيئة! .. أحمد علي هلال

…الوسط – midline-news

.

ثمة من يمتدح العزلة لذاتها، وثمة من يرى فيها برهة لارتجالات ذاته في مرايا الزمن، ولعل العالم الأزرق بموجاته وارتداداتها، قد فاض بمن يمتدحون العزلة في فضاءاتهم الاجتماعية، كطريقة لإعادة ترتيب بيت الذات وهذا ما قد يشكل مفارقة مع طبيعة الإنسان الاجتماعية.
والإنسان كما تذهب نظريات علم الاجتماع هو كائن اجتماعي بالطبع، فهو في نسيج مجتمعه فاعل ومؤثر، نظراً لما يقوم به من أدوار قد تتماثل أو تختلف، لكنها ارتدادات خفية رافضة لانقلابات السلوك والقيم، وتراجع قوة المثال فضلاً عن متعاليات مجتمعية فرضت ذاتها لتخلق أنساق تفكير وسلوك مفارق لأنساق تواضعت عليها المجتمعات، ونقصد بذلك مفاهيم القيم والمثل.
ولعلنا ومن خلال مفارقات بعينها يشهدها –ذلك العالم الافتراضي- كما الواقعي على حد سواء، سنجد بملفوظ العزلة تعبيراً مخاتلاً لا يعني الانكفاء بالضرورة، بل إعادة رسم أدوار مختلفة للذات، أي لتعيد الذات بناء علاقاتها مع الآخر، وكيف إذا كانت هي الآخر بذاتها، كما ذهب (بول ريكور) في (الذات عينها كآخر)!.

هل ثمة أدبيات للعزلة بعيداً عما طرحه الروائي الماتع غابرييل غارسيا ماركيز في روايته الأشهر (مائة عام من العزلة)، أي في النصوص التي تبدو كشرارات صغيرة وفي التوقيعات التي يمجد كُتّابها بذواتهم؟.. نعم والأمثلة أكثر من أن تُحصى، ليس إيذاناً بوجودية جديدة قامت على أنقاض وجودية سالفة، وليست -بطبيعة الحال- وليست ذهاباً إلى إستيهامات نهاية القرن وثقافة الموت، التي أصبحت حديث الناس، إذ إن الموت فعل قديم جديد، لكن يلاحظ كثيرون أنه أصبح الموضوع الأكثر نقاشاً هذه الأيام بالتواتر مع انتشار الأوبئة المختلفة.

أن تسهر في ضوء روحك هذا لا يعني انفصالاً عن العالم بل استعداداً لصياغته أخرى جديدة، أن تنخرط مع الجموع لا يعني أنك تضيع بينهم بوصفك رقماً ما أو صوتاً لا يُسمع، وعليه فاشتقاق مطلق تعبير يحايث واقعنا أو يفارقه مازال شيئاً يخص الروح وحدها واللغة وحدها، ودون أن يكون المرء شيئاً ما تعبث به الريح، بل شجرة كثيفة في صمت الأزمنة وصمت اللغة، شأن تلك الأعمدة الباسقة وهي تتكئ على السماوات لا تنسى أن تغرس جذورها في الأرض.
.

*كاتب وناقد فلسطيني- سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى