إضاءاتالعناوين الرئيسية

العالم يختنق (2) .. مريم ميرزاده

|| Midline-news || – الوسط

.

يبدو أن الديمقراطية كانت إحدى هذه الشبكات الإيهاميّة التي تغطّي طبقةً أخرى من الأفعال الاستبدادية، التي تقوم فيما بينها علاقاتٌ وأواصر، بنيتُها إرادةُ القوة والسيطرة. قدرٌ هائلٌ من قوة العقل وانتفاء الإيمان، يتطلّبه التمثّل بصورة الديمقراطية من أجل التحكّم من خلال الطبقات الخفيّة من السلطة؛ تلك الأنساق القائمة التي لا يراها المساكين من الشعب، بينما تمتدُّ جذورُها إلى سائر بقاعِ الأرض، منذِرةً باحتقانٍ وانفجارٍ وشيك.

لعلّنا نعودُ بعد زيادة الضغط علينا من المنابر التي عوّدونا عليها وشغلونا بها فانحسرَت مجالات إبداعنا الحقيقي، وخبَت عزيمتُنا على الجدّ والكتابة، وكادت شعلةُ فكرِنا تنطفئُ بفقدان الدافع، لأنّ الدافع اختزلته اللايك والكومنت والتفاعل الغزير لكن الفارغ في منصاتٍ عرفنا أنها مشبوهة لكن منّينا النفسَ بأنّ علينا استغلالها لصالحنا. لعلنا نعودُ بعد برهةٍ حين يغلقونَ صفحاتنا لأنّ فيها اسمَ مقاومٍ وقائدٍ هنا، أو عبارة فيها إساءة لكلمة صهيوني أو أمريكي، ولأن فيها صورةً لبطلٍ صنديد أذلّهم في إحدى الجبهات.

لعلّنا بعد ذلك نعودُ مرغمينَ إرغامًا محمودًا حميدًا إلى الورق لنقولَ كلمتَنا قبلَ أن نمشي.. ولا ضيرَ في ذلك أن نكتبَ بأسماء مستعارة كما فعل من قبل الشهيد الدكتور شريعتي. معلّمُ الثورة الذي لمّ من حوله الشباب وكان له التأثير الأكبر من خلال القلم. استبدلت الصحف الورقية والمجلات بالصفحات الإلكترونية والمدونات الرقمية. وانحسرَ نشاط الكاتب والمفكر والفيلسوف الذي كان منذ القدم يعوّل على قلمه لإصلاح شكل الحياة والمجتمع والسلطة والعالم، وتضاءلَ إلى حدّ منشور على الفيسبوك وندوة افتراضية لا يحضرها سوى عدة أشخاص غرباء عن واقعهم.

أمام هذا الواقع الزائف، أمام حقيقةٍ جديدة، هي جيلٌ جديدٌ لا يجيدُ التفكّر، ولم تسمح له ضوضاء السرعة بأن يكتسبَ أدوات التفكير وفعل التأمل في وجوده وذاته وماهية الكون، كيف سيتمكن الإنسان الجديد من التحصّن واكتساب المناعة أمام ذلك النسق المرعب، وذاك الوحش الماكث خلف شبكة علاقات السلطة والقوة؟ بعد كل السيناريوهات الماضوية، واختلاف نظام الأشياء ما بعد الحداثة، نقفُ اليوم أمام خطابٍ ثالث، بعد وعينا بالخطابين اللذين فشلا في قتلِ عقلنا البشري بضربةٍ قاضية؛ خطاب السلفية الرجعية، وخطاب التغربن أو الاستغراب اللذين أدخلانا طوالَ عقودٍ في قلبِ دوامةِ الانحطاط ومحاولات النهوض الهزيلة. اليوم افتُضحَ الخطاب الثاني، والخطاب الأول أخفق منذ زمنٍ في مواكبة الواقع المعيش وصار عبثًا التشبّث بثوب شعارات الأصالة دون محاولات تفكيكها وإعادة قراءتها بما يلائم الراهن.

إننا أمام خطابٍ ثالث، هو خطاب “السرعة” أو الخطاب الاستهلاكي. سرعة دفق المعلومات والمغريات الافتراضية من أجل التحكم عن بعد بالعقول وبالسلوك. سرعة بثّ الأوبئة في حربٍ ناعمة سريعة، لا يجدُ الإنسان أمامها الوقت ليعالج نفسه بل ليفهم حتى، فيلجأ إلى السرعة بدوره للحصول على الدواء أياً يكن! الإنسان مطالَبٌ اليوم بالسرعة في اتخاذ القرار من خلال زرٍّ يضغط عليه بإصبعه. لا داعي للضغط حتى؛ بل باللمس. السرعة في ترويج الإيحاءات والدلالات والرموز والمعاني من كافة المنافذ. وللأسف هذه السرعة نفذت وتسللت إلى أدقّ تفاصيلنا.
.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى