العناوين الرئيسيةترجمات وأبحاث

العالم يحتفي بجلال الدين الرومي .. نجيب البكوشي ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

قال: “كُن في الحُب كالشمس، كن في الصداقة والأخوَّة كالنهرِ، كُن في ستر العيوبِ كالليل، كن في التواضعِ كالتراب، كن في الغضب كالميّت، وأياً كنت من الخلائق، إما أن تبدو كما أنت، وإما أن تكون كما تبدو…”.

إنّه سلطان العارفين ودليل العاشقين الشاعر والصوفي الكبير جلال الدين الرّومي، الذي تحدّث عنه الشاعر الفارسي عبد الرحمن الجامي فقال:

” جلال الدين الرومي لم يكن نبيا، ولكنه أوتي كتابا”. كتاب جلال الدين الرومي، هوّ “المثنوي”، يسمّيه الفرس بالقرآن الفارسي، وهو ديوان شعر ضخم يضم نحو خمسة وأربعين ألف بيت، مقسَّم على ستة أجزاء، وحمل  اسم  “المثنوي”، نسبة إلى الوزن العروضي الخاص المستعمَل في نظمه، ويتألف من أبيات مفردة مقسمة على شطرين مقفَّيين. إلى جانب المثنوي، ترك الرومي كذلك ديوان” شمس تبريزي”، ويشتمل  على إثنين وأربعين ألف بيت من الشعر نَظَمَها الرومي حزنا وألما على فراق صاحبه ومرشده الروحي شمس الدين التبريزي. كما ترك أيضا كتابا نثريا، عنوانه” فيه ما فيه”؛ وهو كتاب يحتوى على إحدى وسبعين محاضرة القاها الرومي على مريديه.

هذا الهرم الفكري والروحي هو محلّ نزاع بين ثلاثة دول وهي أفغانستان وايران وتركيا، فالرجل أفغاني المولد، فارسي اللسان، تركي المقام. لكن أثر الرومي تجاوز كل حدود الجغرافيا والتاريخ، والدين واللغة، فهو بعد أكثر من ثمانية قرون على رحيله يظل اكبر الشعراء والمفكرين المسلمين شهرة في الغرب، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن ترجم الشاعر الأمريكي كولمان باركس بعض قصائده، ونشرها في كتابيه «ضروريات الرومي» و«كتاب الحب». كولمان باركس حرّر شعر الرومي من القفص الأكاديمي وجعله أقرب إلى الشعر الأمريكي الحرّ، وأدخله إلى كل بيت أمريكي. بين سنتي 2004 و 2006 تصدرت دواوين الرومي المؤلفات الأعلى توزيعًا في الولايات المتحدة لاسيما ديواناه «المثنوي وشمس تبريزي»، حتى أنها فاقت توزيع سلسلة هاري بوتر. وغنّى من قصائده عدّة فنانين أمريكيين منهم فنانة البوب الشهيرة مادونا التي غنّت من كلماته أغنية “قوّة الوداع” The power of good bye.

القارئ العربي اكتشف جلال الدين الرومي من خلال رواية قواعد العشق الأربعون للروائية التركية إليف شافاك، التي شهدت رواجا كبيرا وترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة والتي مزجت فيها إليف شافاك بأسلوب رائع بين قصة جلال الدين الرومي مع شمس الدين التبريزي وقصة بطلة روايتها الأمريكية إيللا مع عزيز الصوفي. على امتداد خمس مائة صفحة يحملك قلم إليف شافاك على أجنحة العشق في رحلة ممتعة بين القرنين الثالث عشر ميلادي والقرن الحادي والعشرين، دليلك في تلك الرحلة قواعد العشق كما علّمها شمس الدين التبريزي لجلال الدين الرومي.

المستشرق الإنجليزي الشهير “رينولد نيكلسون” كان من أوّل المهتمّين بشعر جلال الدين الرومي، قام بترجمة مختارات من ديوانه “شمس تبريزي” منذ عام 1898، وقضى أكثر من ثلاثين سنة في دراسة أثره، منها خمسٍ وعشرين سنة في ترجمة ديوانه “المثنوي”، ثم ترك المشعل لتلميذه المستشرق الإنجليزي “آرثر جون آربري” الذي ترجم عدة قصائد للرومي. بعد هذين القامتين في الإستشراق الإنجليزي جاءت مستشرقتان كبيرتان لتهتمّا بأثر جلال الدين الرومي، وهما الفرنسية “إيفا ميروفيتش” Eva Meyerovitch ، والألمانية “آن ماري شيمل”، وكلتاهما عرفت الطريق إلى الرومي من خلال الشاعر الصوفي و الفيلسوف الهندي محمد إقبال الذي قال متحدثا عن أثر الرومي في معراجه الروحي: “صيّر الرومي طيني جوهرا ومن غباري شاد كونًا آخر”.

تعرّفت “إيفا ميروفيتش” بعد الحرب العالمية الثانية على المستشرق الفرنسي الشهير لوي ماسينيون صاحب كتاب آلام الحلاج، الذي شجّعها على دراسة أثر الفيلسوف والشاعر محمد إقبال، حيث ترجمت بعض مؤلفاته وأشعاره إلي الفرنسية مثل:” رسالة الخلود”، و”تطور الميتافيزيقا في فارس”، وديوان” الأسرار والرموز”، وديوان “رسالة الشرق”، وكان محمّد إقبال مفتاحها للولوج لعالم جلال الدين الرومي، فكان كتابها الأوّل حول الرومي سنة 1977 وحمل عنوان Rûmî et le Soufisme ” الرومي، والتصوف”، و ترجمت للفرنسية بالتعاون مع الكاتب الإيراني “محمّد مُقري” ديوان “شمس تبريزي”، وترجمت كذلك كتاب جلال الدين الرومي “فيه ما فيه” وهو عمل نثري هام لفهم ديوان المثنوي، كما ترجمت بالتعاون مع الكاتب الإيراني جمشيد مرتضوي كتاب،” ولد نامه”، لإبن جلال الدين الرومي، “سلطان ولد”، وهو الكتاب الذي يؤرخ لمسيرة الرومي والطريقة المولوية. وفي نهاية حياتها كرّست عشر سنوات من الجهد، لترجمة ديوان المثنوي كاملا  ونشرته سنة 1990.

“إيفا ميروفيتش” بعد رحلة روحية طويلة اعتنقت الإسلام، وفي آخر محاضرة ألقتها بمدينة قونية التركية في السادس والعشرين من ماي/ أيار 1998، عبّرت عن رغبتها في أن تدفن في هذه المدينة كي تبقى تحت ظلال بركات مرشدها جلال الدين الرومي. توفيت “إيفا ميروفيتش” بعد شهرين فقط في الرابع والعشرين من يوليو عن عمر تسع وثمانين سنة ودُفنت بمقبرة مدينة Thiais بالقرب من باريس، وبعد عشر سنوات تمكّن أصدقاؤها من تحقيق رغبتها ونقل جثمانها إلى قونية في السابع عشر من ديسمبر/كانون الأول سنة 2008 في احتفالية يوم العُرس، ذكرى رحيل جلال الدين الرومي، لتدفن بمقبرة Uçler المتواجدة أمام ضريح جلال الدين الرومي.

كما كان الفضل للوي ماسينيون في تعريف القارئ الفرنسي بالحسين بن منصور الحلاج، يعود كذلك الفضل “لإيفا ميروفيتش” في نشر فكر جلال الدين الرومي في فرنسا.

المُستشرقة الثانية التي كرّست حياتها لدراسة جلال الدين الرومي هي الألمانية “آن ماري شيمل”، التي تعلّمت العربية و الفارسية والتركية  والأوردية ودرست تاريخ الفن الإسلامي في جامعة برلين، وبعد تخرّجها درّست بجامعة هارفارد حوالي خمسا وعشرين سنة كأستاذة للثقافة الهندية الإسلامية، من أهم مؤلفاتها “الأبعاد الصوفية في الإسلام” و” جناح جبريل-دراسة في الفكر الديني عند محمد إقبال”، واهم كتاب لها كان حول جلال الدين الرومي، وصدر سنة 1978 بالأنجليزية وحمل عنوان The Triumphal Sun، وترجمه إلى العربية الدكتور عيسى علي العاكوب تحت عنوان “الشمس المنتصرة” وصدرت الترجمة عن دار التكوين بدمشق سنة 2016.

تقول آن ماري شيمل في مقدّمة كتابها “الشمس المنتصرة” إن ديوان “المثنوي” لجلال الدين الرومي كان أحد الأشياء القليلة التي أخرجتها معها من برلين في شهر أفريل/نيسان سنة 1945 وهي في طريقها لمخيم الإعتقال الأمريكي بمدينة ماربورغ الألمانية بعد هزيمة ألمانيا النازية أمام الحلفاء، وتضيف أن أشعار الرومي كانت بمثابة البلسم لجراحها في المعتقل.

تذكر آن ماري شيمل في كتابها أنها اهتمت بأعمال الرومي على امتداد أربعين سنة كاملة، وتشير أن الرقم “أربعون” هو رقم ميمون في الأدب الصوفي، فخلوة جلال الدين الرومي بمعلمه شمس الدين التبريزي تواصلت لمدة أربعين يوم ليكتبا قواعد العشق الأربعون، والنبي محمد كان في الأربعين من عمره عندما نزل عليه الوحي، والمسيح خرج إلى القفر أربعين يوما وليلة.

وطوفان نوح استمر لمدة أربعين يوما.

مبحث جلال الدين الرومي ليس سهلا، كيف لا، وهو يتحدّث عن نفسه في ديوانه شمس تبريزي فيقول:

“أيها المسلمون ما التدبير، وأنا نفسي لا أعرف نفسي، فلا أنا مسيحيٌّ، ولا أنا يهوديٌّ، ولا أنا مجوسيٌّ ولا أنا مسلمٌ، ولا أنا شرقيٌّ ولا أنا غربيٌّ، ولا أنا بريٌّ ولا أنا بحريٌّ، ولا أنا من عناصرِ الأرض والطبيعةِ، ولا أنا من الأفلاك والسماوات، ولا أنا من التُّراب ولا أنا من الماء، ولا أنا من الهواءِ ولا أنا من النارِ، ولا أنا من الكون، ولا أنا من المكان! ولا أنا من أهل الدنيا، ولا أنا من أهل الآخرة! ولا أنا من أهل الجنة، ولا أنا من أهل النار! ولا أنا من نسل آدم، ولا أنا من نسل حواء! ولا أنا من أهل الفردوس، ولا أنا من أهل جنة الرضوان! وإنما مكاني حيث لامكان، وبرهاني حيث البرهان! فلا هو الجسد ولا هو الروح، لأنني أنا في الحقيقة من روح روح الحبيب.”

*نجيب البكوشي – باحث وكاتب تونسي – باريس ..

 

 

* بإمكانكم تفعيل الترجمة العربية على اليوتيوب، خاصّة للأغنية الإيرانية ولحوار المستشرقة الفرنسية إيفا ميروفيتش.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى