افتتاحية

الطبَّال الروسي والطبل التركي

طارق عجيب – رئيس التحرير

===================================

الحال الأعرج الذي عبرت عنه الثنائية الروسية التركية لضمان تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الأخيرة في سوريا ، يكاد يعلن صعوبة ، إن لم نقل استحالة ، تطبيقه على الأرض ، رغم الهمروجة الإعلامية التي رافقته ، فالمشهد الحالي للأزمة السورية يؤكد أنها مبنية على وجود فواعل كثيرون على أرض الواقع ، يتداخلون فيما بينهم ، ويتشابكون ويتصادمون ، ويتحالفون جماعات جماعات وفق مصالحهم واستراتيجياتهم ، وتختلف قوة حضور وقدرة كل فاعل منهم  عن الأخر ، ولا تتفق إرادتهم في وضع نهاية لما يجري إلا إن كانت تتوافق مع مشاريعم وأهدافهم .

لذلك فإن محاولة الإرتكاز على فاعلين اثنين فقط لإيجاد وفرض وضمان حل للأزمة قد ينجح فقط في حال تم الاتفاق بين القوتين الأكثر فاعلية وسلطة على حلفائهما من كلا الطرفين المتصارعين على الأرض ، عندها يمكن أن نستبشر أن بوادر الحل والخروج من الأزمة بدأت تتضح ، تبعاً لقدرة كل من هاتين القوتين على التأثير الفعلي على باقي مكونات هذا المحور أو ذاك .

لكن ، عندما يكون أحد الطرفين الضامنين لاتفاقية وقف العمليات العسكرية الشامل لكل الأراضي السورية هو تركيا ، وهي لا تمتلك من مقومات ” الضامن ” المطلوبة إلا ” أضغاث أحلام ” ، فهذا سيجعل من هكذا اتفاق ” أعرجاً ” ، على اعتبار أن الضامن الأخر لتنفيذ الاتفاق هو روسيا ، وهي تعتبر على رأس هرم المحور الذي تمثله ، و تمتلك مقومات ” الضامن ” الناجح في هذا الجانب ، وهو ما تمت ترجمته بالترحيب من دول المحور الروسي بالاتفاق وإعلان الالتزام به ، ويعتبر المحور الروسي متماسكاً ومنسجماً ، ودرجة التسيق عالية بين دوله ، على العكس من الطرف الأخر الذي يتمثل في هذا الاتفاق بتركيا ، كضامن لتنفيذ الاتفاق ، ولا تعتبر تركيا في الصفوف الأولى أو الثانية ضمن المحور الذي تمثله ، فلا يمكن التعويل على أنها ستكون مؤثرة وصاحبة قرار ورأي على الولايات المتحدة وأوروبا وما لهما أيضاً من تأثير على الفصائل والمجموعات المسلحة على الأرض ، ناهيك عن السعودية وإسرائيل بما لهما من حضور في الحرب على سوريا ، لذلك سيواجه رجب طيب أردوغان استحقاقاً سيكشف وبسرعة أنه تنطَّح لمهمة هو أضعف من أن ينفذها ، واعتمر قبعة أكبر من رأسه ، وحاول أن يملأ مكاناً سينحشر في زاوية ضيقة فيه حين يحضر صاحب هذا المكان .

الأميركي الأن مشغول ، لبرهة من الوقت ، وهو لا يلقي بالاً لكل هذه ” الـنَّـطْـوَطَـة ” التركية ، وهو يعلم علم اليقين أنه حين حضوره سيأخذ كامل حيزه ، إن لم يستولي على حيز البعض ، والسعودي لا زال في جعبته الكثير مما يستطيع أن يدفع به ليكون حاضراً في الإقليم ، خاصة في الساحة السورية ، أوروبا التي تعادي أردوغان وسياساته تنتظر السيد الأميركي لتنسج معه شباكها على التركي ، لا يفوتنا هنا أن نذكر الإيراني الذي يدرك أن الروسي في تقاربه مع التركي يسعى فقط لتدجينه واستقطابه طالما أن الظروف حالياً هي مؤاتية ، وقد تصب في الصالح الذي تبحث عنه إيران مع حلفائها في سوريا وروسيا ، ومن المؤكد أنه لن يُسمح للتركي أن يكون قطباً في الإقليم ، وهو الأضعف بين المرشحين ، رغم لوثة العظمة التي تجتاح أردوغان وعناصر حزبه وحكومته ، لوثةٌ تجعلهم يُصدقون هلوساتهم بأنهم قد أصبحوا من الكبار القادرين الفاعلين على الساحة العالمية والإقليمية ، تتضخم عندهم ” الأنا ” ليصبحوا كالطبل الذي ينتشي بسماع صوته ، ويبرز هنا الروسي كطبَّال ماهر ، يُخرج من هذا الطبل أصواتاً تنسجم مع سيمفونيته التي يعزفها في المنطقة ، ريثما يأتي الأميركي بإدارته الجديدة المتوافقة معه في سياسة محاربة الإرهاب ، ليكون الشريك القادر على عقد اتفاق ويمتلك مقومات ” الضامن ” لتنفيذه على الأرض .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق