فضاء الوسط

السوريون وفَلسَفَةُ الموَت.. “ما بينَ الموت العَبَثي والموت الضَروري”.. مالك معتوق

|| Midline-news || – الوسط …

 

السوريون وفَلسَفَةُ الموَت.. “ما بينَ الموت العَبَثي والموت الضَروري”.. مالك معتوق

“إلى أولئكَ الذينَ ما زالوا صامدين, الذين لم يفقدوا ظلالهم ولم تُفلِت الفكرة من أصابعهم, للسائرين على دروب الوطن الذين ما بدلوا الطريق..

اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ “إنجيل يوحنا”

هُنا في سورية يَنقَسِمُ الناسُ إلى مُعتَرِكٍ مُقاتِل, وَمُتَفَرِج, والبَعضُ اختاروا أن لا يَكونوا مُتَفَرجِين, وبِهذا فَهُم اختاروا أن يَعيشوا اللحَظاتِ الحاسِمَة التي تَصنَعُ التاريخَ وإن كانَ الثَمَنُ أن يَسقُطوا شُهَداء فَهُم يَعلَمون أن المَعرَكَة قاسية, فَلا قيمَةَ لِلحَياةِ إن لَم تَكُن واقِفَةً دَوماً قُبالَةَ الموتِ, فالمَوتُ لَيسَ نَقيضَ الحَياةِ بَل هوَ حَرَكَة, هوَ لَحظَةُ الدُخولِ في فَضاءٍ أخَر, أقرَب, فإن كانَ البقاءُ ضَرورياً للاستِمرارِ فالموت يَصيرُ ضَرورَةً للاستِمرار أيضاً, فالمَوتُ فِعلُ وِلادَة ، فَحَبَةُ القَمحِ تَموتُ في الأرضِ لِتَلِدَ ألافاً مِن حَباتِ القَمح, تفرض الضَرورة احياناً كثيرة أن يَموتَ بَعضُ الناسِ مِن أجلِ أن يَعيشَ البَعضُ الأخَر ، هَذهِ حِكمَةٌ قديمة.

وسِرُ عَظَمَةِ الشَعبِ السوري هوَ رَفضُهُ الخُضوع واختيارُهُ الموتَ طَريقاً إلى الشَمس, فَقَدَرُ الرجالِ السوريين مُنذُ سَماعِ خَفقاتِ قُلوبِهِم الأولى هوَ رَسمُ خُطواتِهِم طَريقاً نَحوَ الموت, وَقَدَرُ سورية أن لا تَنزِفَ سَماؤها عَرَقاً ومَطَراً بَل أكبِدَةً وقلوب , وقَدَرُ بَعضِ المُدُن أن لا تُنبِتَ الأرضُ فيها أشجاراً بَل شَقائِقَ نُعمانٍ حَمراءَ قانية وابتساماتٍ وزَهَراتٍ جَميلة مِن دَمِ الشُهَداء.

في سورية يَفقِدُ المَوتُ قُدراتِه, فالمَوت يَنكَسِرُ أمامَ إنسانٍ لا يَخشى الموت, الموت يَنكَسِرُ أمامَ إنسانٍ يُدافِعُ عَن الحَياة. هُنا في سورية رجالٌ اختاروا طَريقَهُم وقَرَروا أن يَمضوا بِهِ نَحوَ نِهايَتِه, هُم يَعلمونَ أنَهُم عِندَما اختاروا طَريق الوطن فلأن الحُكم بالمَوت قَد صَدَر وأنَ ما تَبقى هوَ مَوعِدُ التَنفيذ. بَعضُهُم غادَرَ عالَمَنا إلى عالَمٍ أفضَل قَبلَ أن تَستَحيلَ أحلامُهُم حَقيقَةً فاستحالَت أجسادُهُم جُسوراً يَعبُرُها رِفاقُهُم إلى سورية الجَديده.

ثمانيةُ سنواتٍ أو تزيد مَضَت, والسوريون ما بين شتاتٍ وشتات وما بين منفى ومنفى, أدرَكَ فيها الإنسان السوري أنَهُ إما أن يَكونَ تَحَدياً أو يموت, وصارَ السوريون تَحَدياً وصاروا مَوتاً. أكثر من ستة أعوام مضت بينما يَستَمِرُ السوريون بِتَقديمِ الضَحايا بِلا تَوقُف قُرباناً لِلحياة, فَهُم يوقِنونَ أن الوَطَن لا يَموت والرَجُل يَموت فالظِلُ يَذهَب وتَبقى الشَمس فَبعضُ الرِجال يَموتون, يَذهبون إلى الظِل لِيبقى دائماً تَحتَ الشَمسِ الدافِئَةِ مَكانٌ لِرِجالٍ جُدُد, فَموتُ بَعضِ الرِجال يَصيرُ ضَرورةً حَتميةً تَكشِفُ لنا حَقيقَةَ وُجودِنا وَقيمَةَ وُجودِنا ومَعنى وجودِنا..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق