العناوين الرئيسيةخاص الوسط

السـوريـون .. أثـريـاء أم فـقـراء ؟ .. إنـهـم فـقـراء (بـالـتـلاتـة) ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

يستمر السؤال الذي تسبب به فيديو على موقع (فيس بوك)، ظهر فيه رجل مسن في أحد شوارع دمشق يتحدث عن المطاعم والمقاهي والمنتزهات التي تعج بالزبائن، ويدّعي فيه أن السوريين بغالبيتهم أثرياء، وإنما (نقاقون) يدّعون القِلة والفقر .

الفيديو الذي أثار موجة من الاستياء وأخرى مضادة من التأييد كما هي العادة على مواقع التواصل، دفعنا إلى ما يشبه إعادة اختراع النار مرة أخرى، ومحاولة تفنيد ما ورد في الفيديو والذي يبدو ظاهرياً صحيحاً إن راقبت الأماكن التي يتردد عليها الأثرياء فقط، دون مراقبة أماكن الفقراء المعروفة والتي لا تحتاج إلى إشارات دلالية؛ كالأفران ونوافذ مؤسسات السورية للتجارة، وأسواق الخضار المعروفة بأسعارها المقبولة، وغيرها الكثير، والتي لا يحتاج المتابع للموضوع فيها إلى آلة حاسبة لمعرفة فرق الأعداد بين مرتاديها ومرتادي المطاعم والمقاهي والمولات.

سؤالنا في جولتنا هو : هل هناك زيادة ملحوظة في أعداد الزبائن؟

وبداية الجولة كانت من إحدى أشهر وكالات الألبسة في منطقة الشعلان الدمشقية، فأجاب (عامر) عامل “الكاشير” بأن النسب تقريباً ثابتة، إذ تزداد الأعداد مع إعلان التخفيضات السنوية الصيفية والشتوية، ثم تعود لتقل عند طرح ما يُدعى (نيو كولكشن)، أي أزياء الموسم الجديد، لكن لا اختلاف في نسب المتسوقين تقريباً في الحالتين، موضحاً أن زيادة أعداد المتسوقين كانت عام 2014، وهم من وصفهم بأثرياء الحرب الذين يمكن التعرف عليهم فوراً من طريقة شرائهم، ومن الكميات التي يشترونها، لكن بعد ذلك استقرت النسب مرة أخرى حتى اليوم.

الصائغ زياد حنتي كان أكثر تفصيلاً في إجابته، فقال: منذ بداية الأزمة وحتى اليوم، يعيش الكثير من السوريين من بيع مصوغاتهم التي اقتنوها قبل 2011، فما زلنا نشتري من الناس مصوغات ذهبية نعرف من شكلها وصياغتها أنها تعود لأكثر من عشر سنوات، وفي الفترة الأخيرة، أي منذ حوالي 6 أشهر، صار سوق المبيع أكبر من سوق الشراء بكثير، ولوحظ أيضاً بيع الكثيرين لخواتم الزواج (المحبس)، والذي -عادة- يُترك كخيارٍ أخير، وهذا مؤشر مهم على ازدياد الفقر والحاجة.

أيّد الفكرة السابقة لكن من جانب آخر (أبو يوسف)؛ شريك في إحدى محلات بيع الخضار والفاكهة في ضاحية قدسيا، يقول منذ أن بدأت بهذا العمل منذ أكثر من 25 عاماً، كان هناك من ينتظر نهاية اليوم ليحصل على بعض الخضار والفاكهة المتبقية من بضاعة أول النهار بأسعار منخفضة جداً أو بالمجان، لكنهم كانوا معروفين ويمكن عدّهم على أصابع يد واحدة، أما اليوم، وخاصة خلال الأشهر القليلة الماضية، ازداد العدد بشكل كبير، بل إنه صار يشكل عبئاً على كل الباعة وليس علينا وحدنا.

ويضيف (أبو يوسف): المُحزن أننا نرى كل يوم تقريباً وجوهاً جديدة، وجوه يبدو عليها أثر نعمة سابقة، ولا يطلبون حتى نسألهم نحن، وما عدنا نسأل، فبمجرد أن نرى سيدة أو رجل يجلسون بقرب المحل، نعلم أنهم ينتظرون حتى يفرغ المحل من الزبائن ليطلبوا المساعدة، أو حتى نضع أسعار نهاية اليوم.

فقراء بالورقة والقلم ..

لحسم الموضوع برأي بحثي يعتمد على الأرقام، سأل (الوسط) الصحفي والباحث زياد غصن الذي يعتبر من أوائل من تحدثوا عن هذه الظاهرة في مقالٍ كتبه لجريدة الأخبار عام 2015 حمل عنوان: (فقراء سوريا في «الحديقة الخلفية» للحرب: ضجيج الأسواق والمطاعم ليس منا)، فقال إن الاستدلال على ما تشهده المنشآت السياحية والمطاعم الشعبية من انتعاش متفاوت في عملها للقول إن شيوع الفقر في سورية خلال سنوات الحرب ليس بتلك النسبة الكبيرة التي تروج، هو مقاربة ساذجة وسطحية لمشكلة الفقر في البلاد، إذ أن الحكم على الوضع المعيشي للأسر السورية لا يتم بالاستنتاجات الشخصية، وأضاف غصن أن هناك مسوحاً إحصائية تنفّذ وفق منهجيات علمية هي القادرة على سحب عينات عشوائية تمثيلية للمجتمع وإخضاعها للدراسة والبحث وجمع المعلومات ومن ثم استخلاص النتائج، فمثلاً النتائج النهائية لمسح الأمن الغذائي الذي جرى بين المكتب المركزي للإحصاء وبرنامج الغذاء العالمي خلال الأعوام 2015-2017-2019 أشارت بوضوح إلى أن ثلث السوريين تقريباً يعانون من انعدام أمنهم الغذائي، وما بين 48-50% معرضون لانعدام أمنهم الغذائي، وفقط حوالي 20% من السوريين أمنهم الغذائي محقق.

وتساءل غصن: كم تبلغ نسبة من يرتادون المطاعم والمولات؟ هل هي أكبر من نسبة الأسر التي تضررت منازلها وخسرت ممتلكاتها ومصادر رزقها بفعل الحرب؟، وماذا عن مليوني موظف يعلمون في الدولة والقطاع العام بمتوسط راتب شهري لا يتجاوز 60 ألف ليرة (أقل من ثلاثين دولار)؟

وكما أن الحرب رفعت نسبة البطالة لأكثر من 55% وجعلت أكثر من 12 مليون سوري بحاجة إلى المساعدة والدعم بعد موجة الغلاء الأخيرة، فإنها في المقابل أسهمت في ظهور طبقة واسعة جديدة من الأغنياء والمنتفعين وشكلت فرصة ثمنيه لشريحة أخرى لمراكمة مزيد من الثروات والأرباح على حساب المواطن والبلاد، وهذا ما يبرر وجود تهافت على الإنفاق الاستهلاكي بشكل غير معقول وبذخ كبير هنا وهناك.

خاص – الوسط ..
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى