فضاءات

الزهور .. رمز المرأة التي تنعكس جمالياتها ومعانيها في لوحات التشكيليين في علاقة تبادلية تؤكد وحدة المرأة-الزهرة ..

|| Midline-news || – الوسط …

رصد : روعـة يـونـس ..

 

يجمع المبدعون على مختلف أنماط إبداعهم، حول كون الزهور أجمل ما في تفاصيل الطبيعة. ويتصدر الفنانون التشكيليون لحمل هذا الرأي، ويؤكدونه فعلياً من خلال أعمالهم الفنية،  إذ يندر أن لا يضم أرشيف فنان تشكيلي لوحة لزهرة من الزهور، أو في أقل الأحوال تكون زهرة ما؛ تفصيلاً داخل لوحة.

الغريب الجميل هنا، أنهم يربطون غالباً الزهرة بالمرأة. فالزهرة رمز المرأة وبديل وجودها في اللوحة وتُشكّل حضوراً أنثوياً في أي لوحة، مهما كان اتجاه فكرتها، سواء نحو البهجة أو الحزن أو الحب أو الفراق أو الوطن أو المدينة. ولعل الأكثر غرابة وجمالاً، أن كثر من المبدعين في الأدب والتشكيل، يضعون المرأة في معادلة صعبة، لكنها تحدث للرجل! إذ يرون أن سرّ المرأة في كونها زهرة رائعة ونحلة بارعة في آنٍ معاً.

لكننا سنبدأ في رصدنا لبعض لوحات (المرأة-الزهرة) من الفنانات التشكيليات لا التشكيليين، لنرى كيف تنظر لوحاتهن إلى هذه الثنائية ؟ وأي أفكار استشعرناها خلال تأملنا اللوحات المختارة من جديدهن وجديدهم، كونهم يكثرون من طرح فكرة المرأة-الزهرة. وهذا تصورٌ لجانب من تجاربهم التشكيلية الرائعة، وليس حكماً على مجمل نتاجهم الثري.

من يشبه الآخر ؟ ..

أمام لوحات الفنانة التشكيلية الجميلة // عفاف خرما // ، نجد الكثير من الزهور والعديد من النساء. ويتضح جلياً لمن يتابع جديدها الإبداعي، أن بعض لوحاتها عن المرأة- الزهرة ترتكز على مقولة الأديب الجزائري واسيني الأعرج “في كل امرأة شيء من الزهرة. وفي كل زهرة شيء من المرأة”. هذا ما تقوله لوحة الفتاة الممسكة بالزهرة، والأخرى المحاطة بأصيص زهور، كلاهما تكاد تقول من يشبه الآخر، أنا أم الزهرة؟ في حديث لوني جميل للوحات من الإكريليك على القماش، تليق بمجلس الصالون الأنيق.

شموخ الأنوثة ..

يخيّل لمن يشاهد لوحة الفنانة التشكيلية // إلهام جبور // عضو الاتحاد العام للفنانين التشكيليين، صاحبة الثقافة العالية، أنه إنما ينظر إلى أميرة-زهرة في كتب الأساطير، لا مجرد امرأة! تعمّدت جبور أن تدعم إطار اللوحة بكتلة لونية سوداء، كأنها تُسكن الليل حواف اللوحة، لتلمع أميرتها وتنثر دررها نجوماً في فضائها، بينما لا تغيب الزهور سرّ اللوحةـ وسرّ مقولة الأديب ديستوفسكي “المرأة زهرة يفوح أريجها حتى في الظل والليل” وإن ذهبَ بمقولته إلى حيز حسيّ فإن فنانتنا نحت به إلى شموخ الأنوثة.

روح سريالية ..

جسدت الفنانة التشكيلية // سلام القطيفان // في الجانب الأكبر من أعمالها؛ أفكاراً جريئة تحمي بها المرأة- الزهرة. واعتمدت -رسوماتها المعبرة عن رؤى فلسفية وسريالية- محاكاة الأثر الملحوظ. فنظرة تأمل في لوحتها التي زرعت فيها زهرة مكان حدقة العين، يشعر المتلقي  كما لو أن الأديب لامارتين كان يقصدها بقوله “المرأة  زهرة الروح  وعين الدنيا” لهذا غرست زهرة حمراء تنظر وتراقب الدنيا في صمت، بحثاً عن  سرّ انهيار المرأة- الزهرة وسط العلاقات الإنسانية المرسومة بالرصاص، ورصاص الحرب.

قافلة وقبيلة ..

مع لوحة الفنانة التشكيلية // ليلى طه //  مديرة الأنشطة التطبيقية للأطفال، لا أطفال هنالك. بل نقف أمام قافلة من الزهور تمثّل قبيلة من النساء موزعة على لوحتين وثلاث وأربع.. كلهن باسقات اتخذن هيئة عود الزهر المنفرد الممدود للأعلى، في عرس لوني تثب فيه ألوان البهجة (الأحمر والأصفر والأخضر) قبيلة كاملة تحيط بكتلة بيضاء كمساحة انتظار تقول أنا جاهزة! لتقارب مقولة الأديبة كوليت خوري التي ترمز في ختامها إلى المرأة “أنت الثمرة يا بني، والثمار لا يمكن أن تظهر إلاّ إذا ظهرت الزهرة”- المرأة.

بين الطفولة والأنوثة ..

لا حاجة للفنانة التشكيلية // سمر دريع// بالتصريح والتلميح. هي تستخدم الرمز وتؤكد عليه، وتختصر كل ما تريد ريشتها قوله في لوحتين متقابلتين ترددان مع الأديبة رضوى عاشور “أصل الزهرة امرأة لا العكس” بينما تقول دريع : هاتان الزهرتان نساء لوحاتي. الزهرة امرأة خجولة منغلقة على ذاتها تضم وريقاتها كساعدين في اللوحة الأولى، وتفرجهما بانفتاح وثقة كساعدين يحلقان في فضاء الحرية في الثانية. مستخدمة اللون الفاتح كرمز للطفولة البريئة، واللون البنفسجي في الثانية رمز الأنوثة الناضجة.

التمسك بكينونة الذات ..

يتضح جلياً من لوحات الفنان التشكيلي // جان شكري حنا // أنه مبدع طوّع أدواته الفنية جيداً. فهو أستاذ محاضر في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية، قسم الاتصالات البصرية. وينجز لوحاته ببراعة مباشرة أمام الجمهور. ولعله في ثنائية المرأة- الزهرة، أدرك أهمية مقولة الأديب شكسبير “المرأة مثل الزهرة، إذا اقتُلعت من مكانها، تتوقف عن الحياة” لذا يُخضع نَصّه التشكيلي للون الأرض- تربة الزهرة، ويُصر على الفتاة لتتمسك بالزهرة بذاتها بكينونتها، فهو لا يريد اقتلاع الجمال، بل تكريسه في لوحة حية.

الأكثر إصراراً ..

مئات من لوحات “بورتريه” النساء، متوجات بالزهور أو مسلحات به أو مسجى على أعناقهن أو محلقاً في فضاء اللوحة، كلهن –اللوحات- ملك يمين الفنان التشكيلي // تيسير رمضان // الذي اختار له إبداعه وجهاً مريمياً ينثر عليه فكرة المرأة- الزهرة وأفكار أخرى. فحين يقول الفيلسوف أرسطو “المرأة كالزهرة، تستدرج الرجل بأريجها” نعي معنى  عبارة أفكار أخرى، فثمة رجل شرقي الملامح تستدرجه امرأة رمضان بألوان الباستيل وبزهرة تشبكها في شعرها عبر ريشة رمضان أكثر المصرين على ثنائية المرأة الزهرة.

حدائق لامرأة واحدة ..

الدخول إلى لوحات الفنان التشكيلي // عبدالسلام عبدالله // ، دخول إلى بحر من الزهور. فاللون لغته والطبيعة قصته. حداً يحس المتلقي بالشذا الممزوج بعطر المرأة- الزهرة المنبعث من لوحاته. فيتساءل كل هذه الحدائق لامرأة واحدة مسجونة في قصر اللوحة؟ فيجيب الفيلسوف زواتلي “الزهرة تميل إلى كل جانب مع الرياح، كما المرأة ولا تنكسر في العاصفة” وهكذا هن نساء وزهور فناننا لا ينكسرن داخل أرض اللوحة، بل يتنعمن بتيجان وفضاءات الزهور التي تمثلهن تماماً في الجمال والمعنى والفكرة.

طير و زهرة ماء ..

لاشك بأن الحرب على سورية انعكست على نتاج الفنانين، وربما غيّرت من أفكارهم التشكيلية ونصوصهم اللونية. فالفنان التشكيلي// حسن حمام // باتت لديه طروحات جديدة قاسية على المتلقي، وذات أبعاد سوداوية. لذا كان من المعقول التقاط لوحته الجميلة عن المرأة- الزهرة. لأنها تبدو لمن يشاهدها توصيفاً لما قاله الشاعر نزار قباني “المرأة كطير حقل.. وكزهرة ماء”. هكذا تبدو المرأة في لوحة حمام؛ طائر حقل، تحيط به زهور الماء- أو زهور في الماء لا فرق. طالما السيادة للون الصفاء: الأزرق الدافئ.

ثنائية الحزن والألم ..

كان يليق ابمادة رصدنا هذه افتتاحها بلوحة الفنان التشكيلي الكبير // زهير حسيب // إنما اخترنا جعلها مسك الختام. فعلى الرغم من كون فناننا يعتمد في لوحاته على عنصر المرأة في تعبيرية جميلة تجسد قيم الجمال والحب والسلام. طرح في لوحته المرأة- الزهرة، وجهة نظر تشكيلية لونية تمزج بين الحزن والألم. فالمرأة المحاطة ببراعم الزهور تتهاطل منها على شكل تشكيلات أشبه بقطرات دماء. إشارة إلى أحزان وآلام الحرب، تنتفض سيدتها توقاً للحرية والسلام والأمان. فكانت فكرة اللوحة متفردة متمردة.


وكان علينا عملاً بقول الأديب جبران خليل جبران “قدر الزهرة أن تنثر العطر وتمضي” أن ندع لوحات الفنانين لقدرها هنا، تنثر جمالياتها بين أياديكم وتمضي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق