العناوين الرئيسيةمقالات

“الرسائل الإلهية وجوهر العدالة”.. بقلم: بسام العطري

|| Midline-news || – الوسط
.

 أنا واحدٌ من الناس الذين يؤمنون بأنه ثمّ “رسائل إلهية ” يتلقاها الإنسان، إذا أدركها ببصيرته وحلّ رموزها كان من شأنها أن تضبط الكثير من خياراته وقراراته في مختلف المواضيع الحرجة ومفترقات الطرق التي تصدفه في حياته.

ورغم إيماني المطلق بأن لكل متهم الحق في أن يجد محامياً يتولى الدفاع عنه، إلا أنني في كثير من مواقف حياتي المهنية كنتُ أمتنع عن تولي بعض تلك القضايا، إما لشناعة الفعل وإما لوجود ” رسالة إلهية ” ما تصلني حول هذا الموضوع أو ذاك تجعلني أحجم عن توليه… إلا أن كلا العاملين اللذين ذكرتهما اجتمعا معاً في القضية التي اخترتُ أن أتحدث عنها اليوم..
اتصلتْ بي إحدى الصديقات صبيحة يومٍ من أيام عام 2008 تطلبُ فيه موعداً عاجلاً للاجتماع بي في المكتب برفقة صديقة لها تحتاج إلى مشورة قانونية في قضية معقدة.. وفي مساء ذات اليوم زارتني تلك الصديقة وبرفقتها سيدة في الثلاثينيات من العمر.. بعد القهوة والمجاملات الاجتماعية المعتادة، بادرتْ الصديقة بالقول بأن صديقتها التي برفقتها لديها قضية جنائية معقدة وتتمنى عليّ أن أتولاها.

شرعت السيدة برواية القضية التي جاءت من أجلها وكانت تتعلق بشقيقتها التي تصغرها ببضعة أعوام، وتتلخص أحداثها بأن شقيقتها كانت قد تزوجت منذ عدة سنوات من رجل متوسط العمر، ميسور الحال، استطاع أن يلبي لها كل طلباتها بطيب خاطر، وجعلها تعيش بدرجة عالية من رغد الحياة، وكانت حياتهما سعيدة لا ينغّص عليهما شيء من منغصات الحياة… إلى أن كان ما حصل منذ عدة شهور ، حيث وقعت شقيقتها بعشق سائق يعمل لدى زوجها، كان قد رمى حبائله عليها مرة بعد مرة حتى تاه صوابها فتجاوبت معه وجارته في رغباته غير المشروعة، ونشأت بينهما علاقة راحت تتوطد مع الأيام وتستحكم أواصرها شيئاً فشيئاً، وتحولت إلى علاقة غير أخلاقية خانا فيها الرجل الذي كان مستغرقاً في عمله، ولا يدري شيئاً عمّا يدور حوله.
استبد بكليهما جموح الرغبة غير المشروعة وشياطينها، فقررا إبعاد الزوج عن الساحة نهائياً حتى يخلو لهما الجو ويصفو، وتصورا أن ذلك لن يتحقق إلا بالتخلص من الزوج المخدوع.
بعد تفكير طويل وتخطيط شيطاني توصّل العشيق إلى خطة لقتل الزوج، وكانت الخطة تقوم على أن تقوم الزوجة باستدراجه إلى مزرعة يملكونها في المليحة بريف دمشق، وهناك يتم قتله ومن ثم التخلص من الجثة… وفعلاً استطاعت الزوجة استدراج الرجل إلى المزرعة زاعمة ً أنها ستمضي هناك النهار للتسلية والترفيه عن نفسها، وأن كل ما عليه أن يأتي مساءً بعد أن يفرغ من عمله لاصطحابها إلى البيت.
وصل الرجل ليلاً إلى المزرعة وترجّل من سيارته، فما كان من العشيق الذي كان يكمن له داخل المزرعة إلا أن تناول حجراً كبيراً هوى به على رأسه بكل قوته، فهشّم له عظم الجمجمة من الخلف، وأردف الضربة الأولى بعدة ضربات لاحقة أردت الرجل قتيلاً على الفور متخبّطاً بدمائه، وبعد أن تأكدا من موته بشكل قطعي، كان لا بد لهما –بحسب الخطة الموضوعة– أن يتخلصا من جثة الضحية حتى يضيع كل أثر يدل على هوية الرجل، وهنا قام العشيق بسحب الجثة إلى خارج المزرعة في وقت متأخر من الليل ووضعها في منطقة معزولة قرب السور الخارجي، وبعد أن وضع الزوجة بالسيارة وخرجا من المزرعة توقفا قليلاً، حيث قام بسكب كمية كبيرة جداً من البنزين على الجثة حتى تشبعّت بالبنزين تماماً، وبعد أن قام بإشعال النار فيها غادرا المكان على عجل.
عندما اشتعلت النيران بالجثة اشتعلت بشكل مخيف نتيجة تشبّع الجثة بالبنزين، وعندما تنبّه الجوار متأخرين للنيران المنبعثة ظنوها حريقاً، فطلبوا سيارات الإطفاء التي وصلت متأخرة، حيث التهمت النار الجثة بشكل كامل وصل أحياناً إلى درجة ذوبان العظم نتيجة شدة الاحتراق.
بطبيعة الحال لم يبق من الجثة شيئاً يمكن أن يشير إلى صاحبها لا من قريب ولا من بعيد، حتى أوراق الرجل الثبوتية التي كانت في محفظته الشخصية ذابت كلها وانصهرت نتيجة الاحتراق الشديد والحرارة التي تعرّض لها..
أثناء فحص الطبابة الشرعية لم يجد الأطباء الشرعيون ولا البحث الجنائي شيئاً يشير إلى هوية الضحية… لم يبق من محتويات محفظته سوى نثرات صغيرة، وأثناء رفعها ونزعها لفصلها عن ما تبقى من جسد الرجل كانت المفاجأة الكبرى! حيث تم العثور على الرقم الوطني العائد للضحية ملتصقاً بما تبقى من لحم الفخذ المتفحم، لم يتبق من هوية الرجل ولا أوراقه شيئاً سوى تلك القطعة الصغيرة، وكأنه تم قصها وحفظها من الحريق… تم التعرّف على الجثة وتحديد هويتها استناداً للرقم الوطني، وبالتحقيق الموسّع استطاعت الشرطة التوصل إلى الفاعلين وتم إلقاء القبض عليهما، وبالتحقيق مع الزوجة انهارت واعترفت بما ارتكبت من جرم مع عشيقها.

نظرتُ إلى السيدة نظرة طويلة وقد تملّكني الجمود، واعتذرتُ عن التوكل عن شقيقتها بشكل مقتضب ودون شرح للأسباب، وعندما سألتني عن السبب بعد أن أبدت استعدادها لدفع أي مبلغ أطلبه، أجبتها بهدوء: يا سيدتي.. للأسف شقيقتك لم تكتفِ بخيانة زوجها الذي قدّم لها كل شيء، ولم تكتفِ بقتله مع عشيقها عمداً بهذه الطريقة البشعة، بل عمدت إلى حرقه بطريقة أبشع لطمس ملامح هويته، لكن الله أراد أن تظهر هويته بطريقة تشبه المعجزة، إنها “رسالة إلهية” بأن العدل يجب يأخذ مجراه بالقصاص من القتلة.. إنها إرادة الله تعالى التي حملتها رسالته… آسف يا سيدتي لن أتولى هذه القضية مهما كانت المغريات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى