إضاءاتالعناوين الرئيسية

الخطاب الديني بين النص والتفسير … بقلم : علي .أ. دهيني

|| Midline-news || – الوسط …

.

 عجالة قصيرة تحت هذا العنوان رغبت التأشير فيها وليس الاسترسال أو الإفاضة. لأن العنصرة متوثبة والأهواء تتنازع النفوس بعيداً عن ضوابط العقل.

كما فتيل السراج الساكن الحركة والمشع ما حوله. وحين تتلاعب به الرياح تتمايل شعلته يمنة ويسرى، فيهتز استقراره. هكذا من حين لآخر تطفو على المسرح الثقافي مشاهد جديدة ، أو ذات صلة بما سبق من مشاهد، تحرك بعض الأقلام أو المنابر عبر كل الأدوات المتاحة: عنكبوتية كانت أم ورقية أو صوتية ومشاهدة.

هذا المشهد يدور بين مجموعة من الممتدة جذورهم تاريخياً في التواتر الثقافي الذي بنيت عليه ذاتيتهم الثقافية والفكرية، فوقفوا عند هذه الحدود، غالقين ما دون كتابهم أي فكر أو ثقافة أخرى، وبين مجموعة متنوعة المشارب الثقافية ـ بما فيها من ثقافة الفئة الأولى ـ تصف نفسها بالليبراليين. بعضها يعتمد العقل سعياً إلى رفعة الإنسان وإخراجه من صنمية التبعية، وهو مخلص في هذا. وبعضها الآخر للأسف تم تسخيره لمآرب تحقق رغبات أصحاب الأطماع الاستعمارية: ثقافياً وسياسياً واقتصادياً. ونجد في طروحاتها استفزازاً مقصوداً لإظهار الخبيث في الفئات الأخرى. بخاصة الإسلامية، لمرونة الولوج فيها.

الفئتان المتضادتان في الكوامن البراغماتية التي يسعون إلى تجليها والوصول إليها، يظهران مرونة حيناً وتصلباً حيناً آخر في أطروحاتهم على المنابر في مخاطبة الرأي العام تمويها لحقيقة مآربهم.

بعض الفئة الثانية انطلقت مما يجري اليوم على الساحة العالمية من أحداث سياسية واقتصادية أثرت عميقاً في الواقع الاجتماعي، فوجدت أن الصورة الأكثر نفوراً في ما يجري أو جرى على مدى عقد من الزمن، على الناس عموماً في منطقتنا، أن الطرف المغضوب عليه والذي أوصل الحال إلى ما هي عليه، هو الطرف الإسلامي.

هكذا بشمولية كاملة، فجاء الطرح من الداخل الإسلامي الليبرالي والخارج البراغماتي ليطرح وينادي بتجديد الخطاب الديني.

كلمة حق يراد بها باطل.

الحق أنه فعلا نحتاج إلى تجديد الخطاب الديني، ولكن هذا لا يعني نسف القواعد والأسس التي يرتكز عليها الدين كما يرغب الخارج البراغماتي ليتسلل من خلال هذا الشعار فيقلب الأمور رأساً على عقب.

إن تجديد الخطاب الديني ليس محصوراً بالدين ووقفاً على الدين الإسلامي، فالمسيحية واليهودية كما الإسلام تحتاج إلى تجديد الخطاب الديني الذي من ثغراته الكثيرة سهل عمل البراغماتي الخارج من أي دين، وهو الساعي إلى السيطرة على ثروات الشعوب واستغلالها، ليشارك في أطروحة التغيير عند فئة ويتلاعب بأهواء فئة أخرى وتضليلها بأنه يؤيدها. فغلّب اليهودي ـ كدين ـ على المسيحي والمسيحي على المسلم.. وهكذا. (القصد في اليهودية كدين وليس الصهيونية العنصرية).

الأمثلة على ذلك يشهد عليها عصرنا الحاضر دون أن نرجع إلى الماضي ونستحضر ممارسات أبناء وأتباع كل عقيدة على مر التاريخ منذ نشأتها.

المثال الأول الممارسات اليهودية المتمثلة بالجرائم المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني، وهذه الممارسات محمية بالخطاب الديني.
المثال الثاني المجازر التي أرتكبت في البوسنة، وهي كذلك محمية بالخطاب الديني المسيحي.
المثال الثالث المجازر التي ارتكبت بين ظهرانينا ممن سمي بالدولة الإسلامية أو الدواعش، في العراق وسورية، وازهقت فيها أرواح نساء وأطفال دون وازع أخلاقي أو ديني.

لذا، تجديد الخطاب الديني يطال الجميع، وأما حصره في الدين الإسلامي دون سواه، فيعود إلى تشعب المدارس الفقهية والاجتهاد التفسيري للعقيدة الإسلامية، حيث وجد كل صاحب رأي أو مدرسة، منفذاً له يبرر أفعاله باسم الدين، فيما الحقيقة بعيدة كل البعد عن ذلك. وما كان لأي عقيدة سماوية أن تبتعد عن الأخلاق في تعاملها مع الإنسان لأنها تعتبره قيمة وجودية يستحق أن يكون كريماً مصان الحقوق.

إذن، الخلل في الخطاب الإسلامي قائم في الأتباع الذين فسروا النص الإسلامي بما يتوافق وتطلعاتهم ومصالحهم. أو ظروف زمنهم وحاكمهم في حينه، إذا أحسنّا عذرهم..

هذا هو المطلوب تجديده، حريصين على الأصول والثوابت العقائدية، وإعادة قراءتها وتصويب تفسيرها بما يتلائم مع رسالات مشرّع الأديان الواحد. وجعلها في دائرة العقل ليتعامل فيها مع مقتضيات حاجة الإنسان والارتقاء به إلى كمال الأخلاق.

إن العقائد كرسالة سماوية، في جوهرها ليست فكراً قابلاً للنقاش ولا هو قضية تحتاج إلى معالجتها، كما يروق للبعض جعلها وتوصيفها. إنما هي قوانين للحياة يُستق منها الفكر ما يساعده على بناء ثقافة مجتمعية متصاعدة تؤهل الإنسان ليكون عنصر تطور في بناء مجتمعه. وهذا النحو من الفهم والوعي لجوهر الأديان سعى إلى طرحه والعمل عليه مجموعة من المفكرين المعاصرين في الواقع الإسلامي أكان رجال دين أو مفكرين زمنيين أمثال حامد أبو زيد، الذي نذكره كمثال وليس حصراً لأن غيره كثر لن ندخل في أسمائهم وأطروحاتهم.

عليه، نحن بحاجة إلى تجديد كل الخطاب الديني لا نسف الدين، وذلك من خلال العودة إلى الأصول والقواعد الأساسية وترجمتها بما يتوافق مع جوهرها لا مع ما يتوافق مع مصلحة قادة مجتمعاتها.

.

* أديب وكاتب.. رئيس تحرير “مدارك ثقافية” الإلكترونية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى