ترجمات وأبحاث

الحلاج .. مسيح الإسلام .. الجزء الأوّل .. نجيب البكوشي ..

|| Midline-news ||  الوسط …

 

كان الحلاج دائما يقول في دعواته “يا معين الفناء عليّ، اعنّي على الفناء”، ويبدو ان الله قد استجاب لدعائه وانتصر الحلاج على الفناء الوجودي والنسيان، ويعود الجزء الأكبر في ذلك إلى المستسرق الفرنسي لوي ماسينيون، الذي جعل من مأساة الحلاج أسطورة مجنحة.

نذر المستشرق الفرنسي لوي ماسينيون كل حياته تقريبا لدراسة الحسين بن منصور الحلاج، ليترك لنا عند وفاته سنة 1962 أثرا ضخما حول الحلاج، صدر في أربعة أجزاء عن دار النشر الفرنسية الشهيرة Gallimard، وحمل عنوان La Passion de Hallaj :وتُرجم إلى العربية تحت عنوان آلام الحلاج.

ولد الحسين بن منصور الحلاج في بلدة تور في الشمال الشرقي من مدينة البيضاء ببلاد فارس سنة 244 هجري الموافق ل 857 ميلادي، وهي نفس المدينة التي ولد فيها النحوي الكبير سبويه، يقول ابن كثير متحدّثا عن الحلاّج؛ “هو الحسين بن منصور بن محمي الحلاج ابو المغيث، ويقال ابو عبد الله، كان جده ماجوسيا، اسمه محمي، من اهل فارس من بلدة يقال لها البيضاء. ونشأ بواسط، ويقال بتُستَر.”

لفت الحلاج الانتباه اليه منذ نعومة اظافره، بذكائه الحاد، واقباله على العلم والمعرفة، حفظ القرآن وهو في سن الثانية عشرة، وأقبل  على علوم عصره من فقه وتفسير وحديث وحكمة وتصوّف، وفي سن السادسة عشرة سافر إلى مدينة تُستر الفارسية ليتعلّم على يد احد اعلام الصوفية في عصره وهو الإمام سهل بن عبد الله التُستري، أُعجب الحلاج بشخصية شيخه ولازمه مدة سنتين استوعب خلالها أصول المنهج الصوفي. بعد ذلك غادر الحلاج تُستر باتجاه البصرة حيث تتلمذ على يد الشيخ الصوفي عمر المكي والذي البسه الخرقة الصوفية، وهي ثوب ممزّق من الصوف الخشن، يُلبسه الشيخ مريده، علامة للتفويض والتسليم، ولا يمنحه إياه إلا بعد أن يقضي مرحلة رياضية روحية خاصة، ومنه على الأرجح جاءت كلمة التصوّف. تزوج الحلاج في البصرة بأم الحسين بنت يعقوب الأقطع احد أعيان المدينة، ورُزق منها بثلاثة أبناء، وهي المرأة الوحيدة في حياة الحلاج وظلّت إلى جانبه في ذروة محنته. ثم قرر الحلاج مغادرة البصرة بعد خلاف حاد نشب بينه وبين شيخه عمر المكي ليستقرّ في بغداد عاصمة الخلافة، اين التحق بدروس الشيخ ابي القاسم الجنيد احد أقطاب الصوفية، ولكن سرعان ما فترت العلاقة بينهما، فشخصية الحلاج شخصية قلقة ومتمردة ولم يقبل فكرة ان يستسلم المريد لشيخه استسلاما كاملا كما يقتضيه المنهج الصوفي التقليدي. يقول لوي ماسينيون”سرعان ما راح الحلاج  يبحث عن المعنى الرمزي الذي يرفع دعاء الروح إلى الله”.

ومنذ ذلك الحين قرر الحلاج ان يستقل بنفسه وان يسلك طريقه الى الله بمفرده، ولمّا سُئل عن المريد قال “هوّ الرامي بأول قصده إلى الله تعالى، ولا يُعرّج حتى يصل.”

فكر الحلاج هو جزء من الفكر الصوفي، والتصوّف له معجم خاص، يختلف عن معجم الفقهاء، التصوّف هدفه بناء الفرد، ومحاولة الوصول إلى المعنى الحقيقي للإيمان، وسبل التواصل بين الصوفي وخالقه لا علاقة لها بمدونات الفقهاء، فهو ينتج لغته الخاصة القائمة على الإلهام والنظر الكشفي والذوقي، وحرية المتصوّف تتجاوز حرية الفقيه في استنطاق النص المقدّس ،ففي حين يعتمد الفقيه في قراءة النص على آلية التعبد الآلي، يعتمد المتصوف على آلية التعبد المعنوي.

يقول الحلاج متحدثا عن خالقه:

رَأَيـتُ رَبّـي بِـعَينِ قَلبي، فَـقُلتُ مَـن أَنتَ قالَ أَنتَ…

فَـلَيسَ لِـلأَينِ مِـنكَ أَيـنٌ، وَلَـيسَ أَيـنٌ بِـحَيثُ أَنتَ…

أَنـتَ الَّـذي حُزتَ كُلَّ أَينٍ بِـنَحوِ لا أَيـن ثـمة أَنتَ…

فَـفي فَـنائي فَـنا فَـنائي، وَفـي فَـنائي وُجِدتَ أَنتَ…

في مَحو اِسمي وَرَسمِ جِسمي سَـأَلتُ عَـني فَـقُلتُ أَنتَ…

أَنـتَ حَـياتي وَسِـرُّ قَلبي فَـحَيثُما كُـنتُ كُـنتَ أَنتَ…

فَـمُـنَّ بِـالعَفوِ يـا إِلَـهي فَـلَيسَ أَرجـو سِواكَ أَنتَ…

صورة الإله عند المتصوّف ليست هي نفسها صورة الاله عند الفقيه، العلاقة بين المتصوّف وخالقه تقوم على المحبة في حين ان العلاقة بين الفقيه وخالقه تقوم على الخوف، لذلك تصوّر الاله عند الفقيه هو الأقرب إلى عامة الناس، فهو إلاه الوعد والوعيد، إله الجنة والنار بينما إله المتصوّف هو إله العشق والمحبّة، الارتباط بين المخلوق و الخالق في الفكر الصوفي هو ارتباط وجداني بعيدا عن الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب، كانت رابعة العدوية مؤسسة مذهب الحب الإلاهي في القرن الثاني للهجرة تردد؛ “ربي ما عبدتك طمعاً في جنتك ولا خوفاً من نارك وإنما عبدتك لأنك تستحق العبادة”، و الحلاج يذهب ابعد من ذلك في تطرّفه في محبّة الله عندما يقول

أُريدُكَ لا أُريدُكَ لِلثَوابِ

وَلَكِن أُريدُكَ لِلعِقابِ

فَكُلُّ مَآرِبي قَد نِلتُ مِنها

سِوى مَلذوذِ وَجدي بِالعَذابِ.

الحظوة التي نالها الحلاج بين الناس سوف تجلب له عداوة الفقهاء من مختلف المذاهب،  والساسة في قصر الخلافة، وحتى المتصوفة وعلى رأسهم معلميه  الجنيد وعمر المكي. لأن الحلاج انتقد سلبية المتصوفة من معاصريه، الذي قنعوا بعبادة الله، غير مهتمين بواجباتهم تجاه الناس. فثار على زهد أبي يزيد البسطامي وعلى تقية الجنيد وعلى سلبية عمر المكي، وأسس منهجًا جديدًا في التصوف يرى أن التصوف جهادٌ في سبيل إحقاق الحق، وليس مسلكًا فرديًا بين المتصوف والخالق فقط، فجعله جهادًا ضد النفس وكذلك جهادا ضد الظلم والطغيان في المجتمع .

الحلاج كان حاملا لروح قطب صوفي ثائر، ولقلب محب عابد، ولعقل زعيم مدبّر.

يقول لوي ماسنيون: «إن الحلاج أحيا بمنهجه هذا، وبحميته الثائرة، و بشخصيته الباهرة، الآمال العريضة، والأحلام الجميلة، التي كانت تعيش في أعماق الأمة الإسلامية، فالتفّت حوله الجماهير، واندفع في تياره كثير من الأمراء والوزراء والقادة.»

هذا المنهج الصدامي الذي قطع مع تقية التصوّف التقليدي سوف يؤدي إلى سجنه مدة تسع سنوات و محاكمته ثلاث مرّات وصلبه سنة 309 هجري في بغداد.

*نجيب البكوشي – باحث وكاتب تونسي – باريس 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى