العناوين الرئيسيةالوسط الثقافي

الحضور والغياب في قصيدة فدوى كيلاني..  بقلم د.غادة سعيد

|| Midline-news || – الوسط …

أي مرحلة من حياة الإنسان لا تحددها التجربة أو السنون، فحسب بل يحددها هاجس “الموت أو الغياب” كذلك، لأنه يسطّر للإنسان أسفار تكوينه، وأساطير بوحه ورموز تطلعاته..
فقط يختلف التعبير من شخص إلى آخر، حسب تكوينه الاكاديمي، ووضعه الطبقي. لكن التعبير عن “الموت/الغياب والحياة/الحضور” يتّخذ شكلاً آخر عند الشاعر، مع اختلاف جوهري بين الشاعر “الذكر” والشاعر “الأنثى”، لعدة أسباب أهمها اختلاف “الأنا” الداخلية فيزيولوجيا وطبيعيا عند كليهما.
إجمالا يأتي البوح في القصائد المكتوبة “بأحمر الشفاه”، أكثر صدقاً وتعبيراً عن الروح الكاتبة والتي تثمثل “الجماعة” بمفهومها العلمي الحديث..
فالتعبير في القصيدة بضمير المتكلم الفردي، غالباً يمثل الضمير الجماعي، لأن “الأنا” الكامنة داخل الثالوث (أنا – هو – أنت)، هي “الأنا” العائلة الكبيرة غير قابلة للتجزئة، ف”الأنا” تفترض “الهو” و”الأنت”. ساعتها يمكننا أن نتحدث عن حيوات عديدة بداخلها، التي تضمر مراتب “الهو”.
إذ أنّ صفة الجماعة والعائلة الكبيرة، “الأنا”: تحمل قضية مجتمع ولا تنأى في حركتها التاريخية عن الفردي والذاتي، وبالتالي هي تنهج النهج الجمعي والموضوعي.

 

وضمير المتكلم الذي وجّهتنا به الشاعرة “فدوى كيلاني”، هو نافذة إلى الذات “الفردية” في صراع الجماعة مع الغربة والنفي والحضور والغياب. تقول في قصيدتها المنشورة على صفحتها الفيسبوكية، ليوم 30\08\2019:
لم أجر ذلك المكان معي إلى هنا
الاسم هو ذاته
التاريخان متداخلان
التواريخ كلها متداخلة
كانت شرفتي مطلة آنذاك على ذلك المكان
بما يشبه بحرا ..
إنها تختلف عن شرفة اليوم
المسافة واحدة
رائحة التراب تختلف
الكرسيان
الطاولة
القهوة نفسها
الفناجين نفسها
اللوحات المعلقة نفسها
كل شيء متشابه
كلانا هناك
كلانا هنا

ثمة مساحة زمنية تختصرها اللهفة
مساحة زمنية دحرجناها وراءنا
رافقتنا في الطائرة ..جلست معنا على الكرسي
نزلت معنا ..غريبة هي الأخرى
نكومها الآن في هذا المقهى
هنا بحر مختلف
هنالك بحر آخر
القهوة نفسها
طعمها مختلف
التجاعيد تسللت إلى وجهينا
ثمة شيء لم يتغير
الحديث الذي نستكمله
الضحكة التي نستكملها
الفنجان الذي ينسكب كالعادة على ما كتبناه
قبل أن نعود مرة أخرى ..
نستحضر المسافة بين ذلك المكان البعيد وهذا المكان.
***
الحضور والغياب، بدأ بمستويات من الجدل ضمن أفق الاختلاف وذلك حين يمدّ الدال بدلائل لا نهائية من المدلولات التي توفّرها الكتابة لنا في قصيدتها. فالحضور عند التفكيك بدا رهينة مرئية.. لكن الغياب بدت ظلاله كثيفة غائرة. بحيث أن “الحضور” الأبرز كان من خلال استعمال أداة الإشارة “هنا”.. و”الغياب” الأبرز أخذ سمة أداة إشارة أيضا حين استعملت “هنالك” فجاء المقطع الأول:
(كلانا هناك
كلانا هنا)
أو في المقطع الثاني، كتوكيد:
(هنا بحر مختلف
هنالك بحر آخر)
والغياب الأوضح كان غياب “الهناك/الهنا” ويمكن أن نقول إن هذه هي أيديولوجيا النص، وعماده التي أرادات الشاعرة “فدوى كيلاني” إرسالها لقوم العالمين..
أما بقية العناصر فهي انعكاس لهذين الركنين، إذ تنمو النصوص باستقطاب الوحدات الثانوية في حركة من الزمان إلى المكان، ومن الحالة إلى الموقف، ومن الحلم الرومانسي إلى الواقع المؤلم، وتتحرك في علاقات
تتوحد فيها الذات في المجموع في نهجٍ مأساوي.
الشاعرة لم تُحوّل “الجرح/الغياب” إلى وردة، بل عبّرت عن تجربة مع الحقيقة، وجاء نصّها مفتوحاً على ضبابية “الجرح/الغياب” والانتظارية المميتة، وعلى سؤال مفتوح حول “مصير الجماعة” كوحدة اجتماعية تذوب وتنصهر فيها “الأنا” الفردية من جهة ثانية..
وبذلك بدت جديدة في قالبها وإيحاءاتها وصورها، منسجمة، مع قول (هرقليطس ):
إنّك لا تستحم في ماء النهر نفسه مرتين؛ لأن ماءً جديداً دائماً يجري من حولك!..
رغم من وجود تقاطعات كثيرة بين ما ورد الشطر الاول من القصيدة، والشطر الثاني..
فإن الأمكنة والاكسسوارات، ونبش الذكريات جعلت قريحتها تتفتح على رؤيا جديدة، وترفض الاعتذار على رحيلها من “هناك” الذي فُرض عليها:
(لم أجر ذلك المكان معي إلى هنا
الاسم هو ذاته
التاريخان متداخلان
التواريخ كلها متداخلة)
كما أنه جزء من ذكرياتها، بل ويمثل أطواراً مهمة من حياتها، وعلى طريقتها، تقول:
(القهوة نفسها
الفناجين نفسها
اللوحات المعلقة نفسها)
لجأت “فدوى كيلاني” إلى مزج الأزمنة ( الزمن الماضي/ زمن الرحيل/ زمن الكتابة) ، لتتحول القصيدة إلى فعل إنساني يحاول أن يزيل صدأ النفس وتثلم الفكر، والنزوع إلى بُعْدٍ تطهيري، عميق الحضور في جغرافيّة الأحداث وتاريخها، ، لتشمل معاناة شعب بأسره على المستوى التاريخي والإنساني.
فالأنا “كيلانية/ نسبة الى كنيتها: كيلاني” تستوعب “الأنا” السورية عامةً، وتشير إلى التحامها رغم الشتات والغياب عن الارض، باستحضارها لكل التفاصيل بدءًا من “هنالك/ الوطن الأم وزمن الماضي” الى “هنا/ أرض الغربة وزمن الكتابة”، فتقول:
(لم أجر ذلك المكان معي إلى هنا
الاسم هو ذاته
التاريخان متداخلان
التواريخ كلها متداخلة
كانت شرفتي مطلة آنذاك على ذلك المكان
بما يشبه بحرا ..
إنها تختلف عن شرفة اليوم
المسافة واحدة)
فهي تعترف بأن السلطة على المكان ليست لها، وووجع الماضي، رافقها، ولم تستطع التخلص منه في زمن الكتابة، فتقول:
(ثمة مساحة زمنية تختصرها اللهفة
مساحة زمنية دحرجناها وراءنا
رافقتنا في الطائرة ..جلست معنا على الكرسي
نزلت معنا ..غريبة هي الأخرى
نكومها الآن في هذا المقهى)
تحاول من خلال حضور الزمن واللهفة تجسيد مفارقة كبيرة بين الإنساني واللا إنساني، إذ تصير الذكريات والحنين لازمة الى أيّ سفر أو اغتراب..
(هنا بحر مختلف
هنالك بحر آخر)
لتحقق الأبعاد الدلالية في مجال التناص من خلال الصدى بصفته دالاً على الزمن الماضي المنقطع الذي لم يكفّ عن التأثير في الحاضر، وكأنها تعيد صياغة أبيات الشاعر الإسباني ( لوركا) في قوله:
(والآن، لا أنا أنا
ولا البيت بيتي..)

البداية والنهاية مرتبطتان بالمكان/الوطن، فمنه ابتدأت الحكاية، وإليه تنتهي، وسؤال البداية والنهاية يحمل طابعاً فكرياً وفلسفياً مغلّفاً بغلافٍ سياسي ووطني، وربما تكون هذه محاولة من “فدوى كيلاني” لمزج الفكر بالشعر، كما فعل من قبلها أبو تمام والمتنبي ودرويش وأدونيس وغيرهم.
فالشاعرة أضحت ملتحمةً أكثر بالزمان والمكان حين يصبح جزءًا من البداية، وشاهداً حياً على تفاصيل المكان، وشرعية وجود أهله، ولهذا فلا غرابة أن يُعرف بها المكان ،وإنْ طمست معالمه. تقول:
(قبل أن نعود مرة أخرى ..
نستحضر المسافة بين ذلك المكان البعيد وهذا المكان).

 

*كاتبة وناقدة سورية (بورتو- البرتغال)

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق