إضاءاتالعناوين الرئيسية

“الحسناء والوحش” .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط
.

للعام الدراسيِّ الثاني على التوالي عادتِ الطالبةُ الجامعيّةُ الحسناءُ واستأجرت الغرفةَ ذاتَها لدى عائلةٍ مكوَّنة من خمسةِ أفراد، زوج وزوجة وثلاثة أولاد،في بيتِهم الواقعِ على تخوم العاصمة، والقريبِ من جامعتِها الخاصّة.

لقد أمضتِ الفتاةُ مع هذه العائلة أيّاماً هنيئةً خصوصاً أنّ سيّدةَ المنزل رعَتها واعتنت بها كما ترعى الأمُّ ابنتَها.

وذات يوم شتويّ قارسِ البرودة شعرت تلك الطالبة بإعياء شديد ربّما بسبب الطّقسِ أو نتيجةَ ضغط الدّراسة، فهبط ضغطُها بشكل مفاجئ ،وسقطت أرضاً بلا حراك أمام باب المنزل الذي تقطن فيه.

صرختِ الزوجةُ تستنجد بزوجها أن يسارعَ إلى الاتّصالِ بالإسعاف، لكنّ الحماسةَ والرجولة ثارت في نفسه ثورةً عنيفة، فما كان منه إلا أن حمل تلك الجميلةَ النائمة وخطا بها في الشارع مئاتِ الخطُواتِ قاصداً سيارتَه وهو يلهث من شدّة العناء والتّعب، أمّا الفتاة فقد أرخت برأسها على كتفِه فاقدةَ الوعي، وسندَ هو برأسه جبينَها ليمنع رأسها من التأرجحِ في الهواء.

وبعدَ جهدٍ جهيدٍ وصل إلى السيّارة، وقادها بسرعة جنونيّةٍ إلى مشفى المنطقة، وهناك قُدّمت لها المساعدةُ المطلوبة، لكنّه أصرَّ أن يبقى معها ليطمئنَّ إلى وضعِها، ثمّ أعادها مساءً إلى منزله بعد أن استردَّت وعيَها وتحسّنت صحَّتُها تماماً.

مضت مدّةٌ زمنيّةٌ بعد هذه الحادثة، وإذا بالزوجة أثناء تحضيرِها غداءَ العائلة في المطبخ تشعر بنزف نسائيٍّ وكأنّها في حال إجهاض. تحاملَت على نفسِها كثيراً، فالأولادُ سيعودون من مدرستِهم ولا غداءَ لديهم، لكنّ قواها خارت في النّهاية فسقطت مغشيّاً عليها تسبحُ في بركةٍ من الدّم.

دخلتِ الحسناء الجامعيّة المطبخَ لتشربَ ماءً فشاهدت سيّدةَ المنزل على هذه الحال المأساويّة فصرخت بالزوج تستنجدُ به وهي لا تكفُّ عن البكاء والنّحيب.
أتى الزّوجُ مسرعاً ملهوفاً على صراخ الفتاةِ خوفاً من أن يكونَ قد أصابها مكروهٌ. لم يُبدِ لحظتَها مبالاةٍ تجاه زوجته المطروحة أرضاً، بلِ اتّكأَ على الثلّاجة وأخذ يستنطقُ الحسناء ويستجوبُها بكل هدوء عن كيفيّة سقوط زوجته أرضاً، وإذا كانت قد رأتها قبل وقوع الحادثة، أو لمَحَتها تمسكُ سِكّيناً، ثمَّ عاد فسألها إن كانت تعرف رقمَ منظومةِ الإسعاف.

استغربتِ الحسناءُ أسئلتَه المتعاقبة وزوجتُه على هذه الحال الحرجة، لكنها فتحت شاشة هاتفِها المحمول وأخرجت منه الرّقمَ المطلوب وأعطته إيّاه على الفور.

عانقَها مُهدِّئاً من روعِها قائلاً :
لا تخافي يا حبيبتي- قصدي يا ابنتي، سيكون كلُّ شيء على ما يرام.
حاول بعد ذلك متردّداً الاتّصالَ بالرقم، وهو يسبُّ ويشتم مُسبقاً لزعمِه أن لا أحدَ سيجيبُ على الهاتف، لكن أحداً أجابَ واستجابَ لاستغاثتِه.

وعلى صوت سيّارة الإسعاف التي وصلت للتوّ اجتمعتِ الجارات فرأينَ الزّوجَ يعصرُ دموعه حزناً على مصابِه بزوجته فما كان منهنّ إلا أن تعاطفن معه أشدّ التعاطف، مع ندبِهنّ حَظَّهنَّ العاثرَ من عدم اهتمامِ أزواجِهنَّ بهنّ كما يفعلُ ذلك الرّجلُ المخلص.

راحَ الزوج يتظاهر أمام الجميع بالخوف الشّديد على زوجته معاوداً السّبابَ والشتائم لبطءِ حركة الممرّضين وبلادتِهم حتّى وصل به الحال ليتدخّلَ في تنظيم وشرح طريقة حمل زوجته على سرير الإسعاف، مع سؤاله المتكرّر لطاقم المسعفين إن كان “لاسمح الله” هناك أيُّ خطرٍ محتَمَلٍ على حياتها.
وطبعاً لم ينسَ أن يؤنّبَ زوجته المغشيَّ عليها متظاهراً بأنّها قد أخطأت بإخفاء مرضَها عنه مع أنّه يعرف أنّها حامل، ثم رفع يديه إلى السماء بعينين مغمضتين داعياً ربَّه أن يشفيَها كرمى لعيون أولاده، فمن سيستطيعُ من بعدِها إطعامَهم وغسلَ ثيابهم والانتباهَ إلى دروسهم، وخاصةً أنّه لا طاقةَ لديه لفعل هذه الأمور.
وما إن أصبح طاقمُ التمريض مع المريضة في الشارع حتى أخذ يناديهم من النّافذةِ قبل أن يُدخِلوها سيارةَ الإسعاف يرجوهم بدموعٍ منسكبة أن يأخذَ الأطبّاءُ كلَّ وقتهم في العناية بها، وأن يُبقوها في المشفى قدرَ المستطاع إلى أن تستعيدَ كاملَ صحّتِها وصرخ يعدهم باللحاق بهم بسيارته حالما يأتي دورُه في ملء الوقود في خزّانها!
عند المساء اتّصل الزوج بالطالبة الحسناء مدّعياً أنه ما زال في محطة الوقود ينتظر تعبئة البنزين وراجياً منها أن تذهبَ لعيادة زوجته في المشفى، وأن تشتريَ طاقةً من الزهور لتهدى إليها.
قالت له الحسناء :
لا داعٍ يا عم، فقد عادت زوجتُكَ إلى البيت لوحدها بعد أن جفَّ نزفُها ،وهي الآن تُحضّر لك عشاءً شهيّاً..
.

*أديب وكاتب.. وزير التعليم العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى