دراسات وأبحاث

الحرب على الإرهاب في السياسة الخارجية الأمريكية .. ممدوح الطباع ..

|| Midline-news || – الوسط ..

أطلّت علينا الولايات المتحدة الامريكية  بعد أحداث أيلول في العام 2001، بما أسمته وقتها “بالحرب على الإرهاب”، ولتفسير ذلك طبقاً للسياسة الخارجية الأمريكية وجب بداية تعريف هذا (المصطلح) اصطلاحاً. ففي البداية إذا ما بحثنا عن كلمة (حرب) نجد أنها:  (حالة النزاع المسلح بين دول مختلفة أو مجموعات مختلفة، أو هي حالة من التنافس او العداء بين مجموعة من الأشخاص او المجموعات)، وكما أن قاموس أوكسفورد عرّف الحرب أيضاً بأنها ” حملة مستمرة ضد حالة أو نشاط غير مرغوب فيه”، و في الحقيقة يوجد للحروب أنواع عديدة مثل: حرب الاستنزاف، حرب الأعصاب، الحروب التجارية إلخ، وهو ما سوف لن نخوض بنقاشه في هذه الورقة.

بالعودة إلى مصطلح “الحرب على الإرهاب” فوجب هنا تعريف الإرهاب إصطلاحاً أيضاً، ومن خلال البحث  لم  يتضح لي أن المفكرين قد اتفقوا في الواقع على تعريف محدد للإرهاب ولذلك ارتأيت أن اختار بعض التعريفات هنا بهدف الدلالة والتعريف بالمصطلح هنا، فالإرهاب كما عرفه بعض المفكرين هو: “استخدام العنف أو التهديد به في السعي لتحقيق أهداف سياسية او دينية أو أيديولوجية أو اجتماعية، يمكن أن ترتكبها الحكومات، او جهات فاعلة غير حكومية، أو أفراد سريين يقومون بالعمل نيابة عن حكوماتهم”. كما أنّ الإرهاب لا يطال أفراد او مجموعة معينة فقط، بل إنّ أهدافه من الممكن أن تتوسع لتطال مجتمع أو أمة بأكملها، وهو فعل محظور بطابع الحال ويعد ( جريمة غير قانونية بموجب التشريع) كما أنّه علّة بحد ذاته، أي أنه بطبيعته جريمة غير أخلاقية.

 الحرب على الإرهاب في السياسة الخارجية الأمريكية ..

ترى الولايات المتحدة الأمريكية من منظورها، أنّ الحرب على الإرهاب هي حالة مشابهة لمرحلة الحرب الباردة، والمقصود هنا، تمثيل مرحلة جديدة من العلاقات السياسة الدولية العالمية من خلال إرساء مفاهيم ليبرالية جديدة تتمثل بالأمن وحقوق الإنسان والتعاون الدولي.

إن المعسكر الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية ضد ما أسمته “الحرب على الإرهاب” تميز بأبعاد غير محدودة تقريباً. فالبعد العسكري لها شمل حروباً كبرى في كل من أفغانستان، والعراق، وعمليات سرية في اليمن، برامج مساعدات عسكرية واسعة النطاق لأنظمة تعاونية، بالإضافة إلى حجك زيادة كبير في اللإنفاق العسكري. أما البعد الاستخباراتي فكان يعمل على شكل مشابه نوعاً ما للبعد العسكري، فقد شمل هذا البعد غعادة التنظيم المؤسسي، كما شمل زيادة كبيرة في تمويل قدرات جمع المعلومات الاستخبارية في أمريكا، كما أنّه أوجد أيضاً البرنامج العالمي من أجل اعتقال الإرهابيين وتدريبهم في منطقة خليج غوانتانامو، كما أنّه عمل على توسيع التعاون مع وكالات الاستخبارات الأجنبية، وتتبع واعترض عمليات تمويل الإرهاب.

البعد الثالث هنا هو البعد الدبلوماسي، فالولايات المتحدة الأمريكية حرصت في هذا المجال على بذل جهود متواصلة من أجل بناء والحفاظ على تحالف عالمي مع الدول والمنظمات الشريكة، كما أنّ هذا البعد تناول أيضاً حملة واسعة تهدف إلى ما سمّته مواجهة (أعداء أمريكا) في الشرق الأوسط. على الصعيد الداخلي عملت الولايات المتحدة الأمريكية على سنّ تشريعات جديدة في إطار جديد لمكافحة “الإرهاب”، فقامت على سبيل المثل بتطوير ما أسمته “The USA PATRIOT Act” وهو قانون أقره الكونغرس الأمريكي ووقع عليه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك جورج دبليو بوش الابن في 26 تشرين الأول عام 2001، وهو يعنى ب” توحيد وتقوية أمريكا من خلال توفير الأدوات المناسبة لاعتراض وعرقلة أي عمل من شأنه أن يكون إرهابي”. كما أنّها أيضاً أوجدت مؤسسات أمنية جديدة، مثل وزارة الأمن الداخلي، (Department of Homeland Security)، وشرّعت عملية الاحتجاز الوقائي لآلاف المشتبه بهم، من خلال برامج المواقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية من قبل وكالة الأمن القومي (NSA)، ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، كما أنّها عززت قدرات السلطات المحلية من خلال تعزيز إجراءات الاستجابة لحالات الطوارئ، وعملت بشكل كبير أيضاً على زيادة الإجراءات الأمنية للمطارات، والحدود، وفي المناسبات العامة.

حصد المكاسب ..

حققت الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الأولى من “الحرب على الإرهاب” مكاسب عديدة وكبيرة، تمثّلت هذه المكاسب بالقبض على المئات من الإرهابيين المشتبه بهم في جميع أنحاء العالم، كما أنها زادت حجم الوقاية للبر الأمريكي من أي هجمات إرهابية واسعة محتملة، في الوقت نفسه جاءت الإطاحة بنظام طالبان إغلاق معسكرات تدريب الإرهابيين في أفغانستان، بالإضافة إلى القبض على عدد كبير من إعضاء القاعدة أو القضاء عليهم، جاءت لتضيف مكسباً جديداً على الصعيد العسكري والاستخباراتي من جهة، وعلى الصعيد الدبلوماسي من جهة أخرى حيث أن هذه العملية زادت من مستوى حدة التعاون الدولي في الجهود المبذولة لمكافحة الإرهاب تحت الراية الأمريكية .

حصاد غير مكتمل ..

يرى عدد من الباحثين والناقدين أنّ حجم الفشل الذي تكبّدته الولايات المتحدة الأمريكية في حربها على الإرهاب يفوق حجم نجاحاتها. فالأمريكيين بعد إسقاط نظام طالبان زعموا أن الحرب في أفغانستان قد عملت على تشتيت شبكة القاعدة، وهو ما جعل التصدي لهذه الشبكة في واقع الحال أكثر صعوبة مما كان عليه في السابق، كما أنّ الحرب الأمريكية على أفغانستان والعراق كان لها الدور الأكبر في زيادة حدة الكراهية بين الولايات المتحدة والمسلمين في العالم، وهو ما قاد إلى تضخيم رسالة الإسلام المتشدد، ودفع بمجموعات متباينة العمل على التوحد في قضية مشتركة.

مجموعة أخرى من الناقدين زعمت، انّ “الحرب على الإرهاب” التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية هي ستار دخاني مفتعل من أجل السعي وراء تحقيق أهداف جيوسياسية أكبر تشمل السيطرة على احتياطات النفط العالمية وزيادة الإنفاق الدفاعي وتوسيع الوجود العسكري والدولي لها، في خضم أي تحديات الاستراتيجية قد تفرضها القوى الإقليمية المختلفة .

عيوب الحرب باتت أكثر وضوحاً ..

بعد انتخاب الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في عام 2004 لفترة رئاسية ثانية، أصبحت عيوب “الحرب على الإرهاب” أكثر وضوحاً من ذي قبل. ففي العراق، وبعد الإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين في عام 2003، قلل مخططوا الحرب هنالك من ضرورة بناء حكومة فاعلة من الصفر، بل أنهم أهملوا في الواقع من أهمية وجود حالة من التوترات الطائفية في العراق، والتي كانت في الواقع تحت سيطرة نظام صدام حسين القمعي الطابع، والتي وجدت الفرصة مناسبة لإطلاق العنان لنفسها بعد سقوط النظام العراقي. مع نهاية العام 2004، كان من الواضح جداً أنّ العراق قد غرق بالفعل في حالة من الفوضى، والحرب الأهلية .

معطيات ونتائج ..

واجهت إدراة  الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش انتقادات محلية ودولية واسعة ضد أفعال اعتبرتها ضرورة حتمية من  أجل محاربة الإرهاب،حيث قامت باعتقال  واحتجاز أشخاص بدون محاكمة في خليج غوانتانامو في عدة سجون سرية خارج الولايات المتحدة الأمريكية، واستخدمت طرق التعذيب ضد هؤلاء بغية استخلاص معلومات استخباراتية، كما أنها استخدمت طائرات من دون طيار لقتل أعداء (مشتبه بهم) في بلدان خارج نطاق الصراع (أففانستان-العراق)، وهذا ما عدّه نقّاد بالفعل الغير الأخلاقي والغير الشرعي.

في السنوات الأخيرة من رئاسة بوش، كان موقف الرأي العام قد تغير بشكل سلبي فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب وغيرها من مسائل الأمن القومي. هذا الاستياء كان في الوقاع من أحد العوامل التي ساعدت السيناتور باراك أوباما في الفوز في الانتخابات الأمريكية في العام 2008، حيث أنّ إدراة أوباما عملت منذ فوزها على إلغاء ما يسمى “بالحرب على الإرهاب” في خطوة من الإدراة الجديدة للتصالح مع العالم الإسلامي، وهو ما بيّنه أوباما في خطاب ألقاه في العام 2003 حيث قال فيه أنّ الولايات المتحدة “ستتجنب الحرب العالمية ضد الإرهاب” التي لاحدود لها، وسوف تتخذ إجراءات تركز فقط على مجموعات معادية معينة.

تجدر الإشارة هنا، على الرغم من أنّ إدراة أوباما قد صرحت رفضها الحرب على الإرهاب كوسيلة لحماية الأمن القومي للولايات المتحدة الامريكية، إلاّ أن السياسات الأمريكية بقيت نفسها في إطار حملة قتل كبيرة استهدفت مجموعة من الأشخاص عن طريق اغتيالهم بطائرات من دون طيار، كما بقيت الأجهزة الأمنية الأمريكية تمارس سلطتها الرقابية في مناطق واسعة النطاق مثل منطقة الخليج العربي، كما وسّعت من عملياتها الخاصة بشكل كبير بهدف ممارسة تدخلات عسكرية منخفضة النطاق في مناطق عدّة.

المراجع :

*كاتب وباحث سوري – برلين
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق