العناوين الرئيسيةالوسط الثقافي

البروفيسور نزار دندش.. شغوف بكتابة الشعر لكنه ينتمي للرواية ويصيغ عبرها العالم كيفما يشاء

قدّم للمكتبة العربية 55 كتاباً عدا كتب طلبة الجامعة وأخرى قيد الطبع

|| Midline-news || – الوسط …

إعداد وحوار : روعـة يـونـس ..

 

يظن محاور البروفيسور نزار دندش أستاذ الفيزياء في كلية العلوم بالجامعة اللبنانية، أن إنجازات د.دندش تتوقف عند إصداره نحو 55 كتاباً في الرواية والشعر والعلوم والبيئة أثرى بهم المكتبة العربية خلال ربع قرن من الإصدارات المتتابعة، وهو بحق إنجاز عظيم لا يُقدر بثمن.
لكن إحصاء نجاحاته وإنجازاته ومسؤولياته ومواهبه تحتاج إلى صفحات كتاب من الكتب التي ينجزها. فحياته غنية بالأحداث والعطاءات والخبرات كما رواياته، ومسؤولياته متعددة متشعبة قوامها الإخلاص والحب كما دواوينه.
وعلى الرغم من انشغاله بالتعليم الجامعي، ورئاسته لمنتدى ثقافي وعضويته في جمعيات بيئية وتعليمية وإنسانية، لا يمرّ يوم عليه إلاّ وجدول إبداعه يتضمن نشر نص جميل في صحيفة رسمية أو في صفحته الشخصية. كما لو أن الله خلقه ليكتب وينبّه ويحب ويحارب القبح بالجمال.

 

 

مقالات فَرِوايات

  -اكتشفت شغفك في الكتابة. خلال دراستك الدكتوراه في موسكو كما عرفت. ماذا عن ذكرياتك مع أولى الكتابات ثم الكتب؟

* دخلت عالم الكتابة –كما معظم الشرقيين- فوضوياً وبالتقسيط! كانت البداية مع مقالات علمية في الفيزياء كتبتها ونشرتها في مجلات علمية عالمية بالروسية والإنكليزية) أما الكتب الأولى فكانت عبارة عن كتب في الفيزياء مخصصة للطلاب الجامعيين، ثم بدأت بكتابة مواد لا تثير حماس أصحاب دور النشر كالبيئة والتلوث ووجود كائنات خارج الأرض، فقد كانوا يفضلون كتب الغذاء وغيرها. حتى أنني اضطررت لكتابة كتابين في الغذاء (بعد أن درست قوانين التغذية وراجعت أبحاثاً كثيرة في هذا المجال) كشرط من قبل الدار كي تنشر لي كتاب “هل من كائنات عاقلة خارج الأرض” وكتاب “حوار غير خاص مع زوجتي” وبعدهما كتاب “التلوث الكهرومغناطيسي وصحة الإنسان”.

 

-عندما كتبت الروايات، هل لاحظت فوارق ما –ليس في الاسلوب الكتابي- بينها وبين إصداراتك السابقة؟ أسأل لأنني أبحث عن أسباب نجاح وانتشار رواياتك؟

* “اكتشفت من الفوارق أن معظم دور النشر تشجع نشرها لأنها الأكثر مبيعاً. لكن ما ساعدني في إغناء رواياتي تنوع اهتماماتي وتجربتي الواسعة في الحياة في أماكن كثيرة غير متشابهة ومعرفتي عدة لغات. إذ عشت مدة إحدى عشر عاماً في موسكو كطالب جامعي فضولي يحتك بكل الجنسيات. وعشت خمسة أعوام كأستاذ جامعي في استراليا. وحتى في لبنان عشت ظروف الحرب والسلم وسكنت في بيروت وطرابلس وزحلة والهرمل. وقد ساعدني ذلك في تناول موضوعات متنوعة في رواياتي، من تعدد الأوطان إلى مقارنة الحياة في ثقافات متعددة إلى مواضيع الهجرة والمواضيع الاجتماعية في منطقة شرق أوسطية ملتهبة”.

 

 

 ثناء وتكريم

   –فاتني؛ وربما هناك مثلي من فاتهم قراءة بعض رواياتك القديمة. هل من تعريف مختصر لأفكارها؟ مع اعتقادي بأن رواية “ذاكرة الأفيون” قد تكون الأهم، فقد قرأتها وقرأت ثناء نقّاد وكتّاب كثر عليها.

*تناولت رواياتي طيفاً واسعاً من مشاكلنا الاجتماعية والثقافية والعاطفية. ففي رواية “حوار في الممنوعات” تناولت مشكلة تعدد الأوطان بالنسبة للمهاجرين، ومشكلة الإنسان العلماني في بلادنا، وفي رواية “يوميات موسكو الحمراء” أضأت على حياة الطلاب الذين درسوا في الدول الإشتراكية. وفي “حب عابر للقارات” تطرقت لقصة حب بين فتاة هندية بوذية وشاب عربي مسلم، منع تدمير تمثال بوذا ذات يوم على أيدي متطرفين مسلمين، وتمكن من الحصول على موافقة أهلها لكي تتزوج من حبيبها فترةً طويلة.. إلى أن تشاء الصدف ويلتقيان مجدداً في جوهانسبورغ”. وفي “زوجة القاضي” أضأت على حياة العرب الذين يعملون في الدول الافريقية في ظل المتغيرات السياسية الدائمة. أما في رواية “يوميات آدم وحواء” قمت بموائمة بين نظرتي العلم والدين. وفي “ربيع المطلّقات” عرضت للإجحاف الذي تعاني منه المرأة في قوانيننا وفي ثقافتنا. أما في “الهوية الثالثة ” تناولت قصة طفل من أب لبناني وأم بلغارية أجبرتها ظروف الحرب اللبنانية على مغادرة لبنان مع طفلها وقطع الاتصال بزوجها مدة عشرين عاماً، وكان “الفيسبوك” سبب إعادة تواصلهما. وفي رواية “زوجة الغريب” قارنت بين حضارة الأرض وحضارات الكواكب المفترضة!”. يضيف د.دندش “نالت معظم رواياتي اهتمام النقاد ووسائل الإعلام، لكن روايتي “ذاكرة الأفيون” نالت شهرة وانتشاراً وثناءً وتكريماً كوني نبّهت فيها إلى مخاطر زراعة المخدرات في لبنان وتطرقت إلى تاريخ هذه الزراعة، وقرعت الجرس كرجل علم، إنما بقالب روائي”.

 

 

-ورَد “الفيسبوك” في غير رواية لك. بل لديك رواية عنوانها “ليلى وليالي الفيسبوك” فلنقف معك على رأيك في وسيلة التواصل الاجتماعي هذه؟

*لا شكّ أن “الفيسبوك” أحدث ثورة في العلاقات الاجتماعية ووضع الناس وجهاً لوجه يتناقشون ويبدون آراءهم في مختلف الأمور، والأهم أنهم يتواصلون على مدار الساعة بعد أن كانت حياة المدن قد سجنت كل أسرة في شقة”. يسترسل د.دندش موضحاً “إنما يجب التنبه إلى الطفيليات الاجتماعية التي تستغل كل مجال للتخريب، تماماً كما تفعل الميكروبات التي تعيش على حساب صحة الإنسان وبقية الكائنات. لذا رواية “ليلى وليالي الفيسبوك” تحاكي ذلك الواقع عبر قصة فتاة خدعها صديقها الفيسبوكي مستعملاً اسماً مستعاراً ليخفي اسمه الحقيقي الذي يخاصمه أهلها، لكنه نجح في كسب حبها. وكانت المفاجأة عندما عرفت شخصيته! وقد أردت الإجابة عن سؤال عما إذا كان الحب يُجيّرُ من اسم إلى آخر، وأسئلة أخرى”.

 

 

الشعر مكبّر المشاعر

-يبدو لي أن الرواية كانت متقدمة على الشعر لديك وجاء دوره بعدها؟

*نعم بعد الرواية جاء دور الشعر، وهو لدي أرقى الفنون، فيه موسيقى داخلية وخارجية وفيه رسمٌ بالكلمات. فالشعر غالباً لسان الذات وهو مكبّر صوت للمشاعر، وأصدرت حتى الآن ثلاثة دواوين من الشعر العامودي (الرابع تحت الطبع) وصحيح أن أنشطتي وحضوري في الشعر سواء في الواقع أو العالم الافتراضي أكبر، لكنني في الانتماء أنتمي إلى الرواية أكثر لأنني أعيد بواسطتها صياغة العالم كيفما أشاء وأرسم المستقبل كما أتوقع وأنتقد ما أشاء”. يتنبه إلى أمر مهم فيتابع “أنا شاعرٌ أحافظ على الموسيقى والوزن لكنني أختار المفردات البسيطة المعروفة دون اللجوء إلى المعاجم. معظم أشعاري في مجال الغزل، مع أنني كتبت في الحكمة والعلم والفن والرثاء، وقصائد لعدة عواصم عربية من بينها القدس وبيروت وبلدتي الهرمل، ولعنتُ في شِعري الإرهاب والحروب العبثية، لكنني لم أركز على الشعر السياسي بعد خوفاً من تطرفي في القرف مما وصلنا إليه!”.

 

 

مقومات نجاح المنتديات

-ربما كان من الطبيعي لروائي وشاعر ورجل علم أن يؤسس منتدى “ليل وحكي” إنما لماذا هناك إجماع على كونه من أهم منتديات “الشعر” في لبنان؟ وعذراً بروفيسور هذا ليس مديحاً، بل رغبة في معرفة مقومات نجاحه؟

*”عملت على تأسيس منتدى أدبي يستضيف أماسي الشعر بانتظام سيما أن الساحة الثقافية اللبنانية تشهد اندفاعة نحو كتابة الشعر واندفاعة نحو تنظيم الأمسيات الشعرية، فلدينا شعراء رائعون في الفصحى والعامية. ومنتدى “ليل وحكي” الذي ساهمت في تأسيسه ولي شَرَف ترؤسه هو كما -تفضلتِ بالقول- من أهم وأنجح المنتديات اللبنانية. وأضيفُ من أكثرها مصداقية والتزاماً بمعايير الشعر ومستواه. وقد نظمنا خلال السنوات الأربع الماضية أكثر من مئة وخمسين أمسية شعرية في بيروت والمناطق ليس بينها أمسية واحدة ضعيفة. ونستقبل شعراء وأدباء من كل الأقطار العربية كما من لبنان. وقد سبق أن تشرفنا باستضافة دولة الرئيس ايلي فرزلي في ندوة ثقافية، ونساعد الشعراء الناشئين، وننشط في مجال مناقشة الكتب وننسق مع منتديات أخرى تتقاطع مع اهتماماتنا. وكل ما قلته في هذه الإجابة اعتبريها مقومات نجاح المنتدى (يضحك متسائلاً) : “شو بدك تعملي منتدى؟”.

 

 

رابطة وروابط

  -يبدو من حسن إدارتك للمنتدى كرئيس متمكن أن رئاستك لم تكن الأولى من نوعها في هذا المجال؟

*”صحيح سبق تأسيسنا للمنتدى، مساهمتي في تأسيس “رابطة الخريجين الاستراليين- العرب” في مدينة سيدني، وقد ترأستها طيلة وجودي هناك، ونظمنا من خلالها أنشطة ثقافية كثيرة تراوحت بين الندوات والأمسيات ودعوة شعراء عرب إلى سيدني، وفعاليات فنية وفلكلورية. لكن في عصرنا الحالي ساهم انفتاح الإعلام في أن يتعرف على فعالياتنا، بل وأن يشارك فيها، بما يعز الروابط بين الشاعر والصحافة، وسبق أن استضفنا الإعلامية الشاعرة د.نادين الأسعد، وإعلاميون كثر”.

 

 امتلاك المواهب

-لنعد إلى عالم الكتب والإصدارات، فمع بالغ التقدير لكم، إني لأعجب أن تكون في الستين من عمرك ولديك (55) كتاباً، قمت بتأليفهم وطباعتهم وتنسيقهم بمفردك! كيف استطعت الجمع بين كونك بروفيسور علوم فيزياء في الجامعة اللبنانية، وكاتب بمقام مكتبة؟

*نعم، ولدي كتابان تحت الطبع ومثلهما قيد التجهيز للطباعة. وكتبي موزعة على مجالات: العلوم وفلسفة العلم وتاريخه، البيئة وأنواع التلوث، التغذية، الرواية، الشعر، و..الثقافة. ففي مجالها أصدرت كتابين الأول “نحو ثورة في ثقافتنا” فثقافتنا العربية أشبه بشجرة تورق في كل عام لكنها تحتفظ بأوراقها القديمة فتختلط الأوراق اليابسة بالأوراق الخضراء! والثاني “من هو المثقف؟” لذا أُسألُ كيف جمعت العلم والأدب؟  فأُجيب: أنا ضد تقسيم البشر إلى متعاطين بالعلم ومتعاطين بالأدب، فالإنسان قد يمتلك موهبة في هذا وذاك. ولأنني شغوف بالكتابة أنجزت كل تلك الكتب”. يصمت قليلاً ويضيف فكرةً “إن تخصيص الطلاب في مجالات ضيقة هو من مصلحة أصحاب الشركات التي تحتاج الى خبراء متخصصين. أنا لست مستعداً للتخلي عن نصفي كرمى لعين الشركات القابضة. الكتابة العلمية يجب أن لا تقتصر على الكُتُبِ الجامعية بل يجب أن نعمل على صياغة أدبيات العلم، وكم نحن بحاجة إلى وضع المعلومات الكثيرة في منهجية علمية وصياغة طرق للتفكير العلمي، فتراكم المعلومات العلمية لا يكفي لكي يجعلنا نفكّر بطريقة علمية بل قد يؤدي إلى عكس ذلك في حالات كثيرة”.

 

أنسنة الزهور والمدن

-أود الإشارة إلى دورك في نشر الوعي البيئي، حداً أن ثمة علاقة “أنسنة” رائعة تربطك بالزهور والنباتات! صحيح؟

*”فيما يخص نشر الوعي البيئي والمساهمة في تأسيس ثقافة بيئية وعلاقة جديدة بين الإنسان والبيئة المحيطة مسألة ضرورية وملحّة، أفخر بأنني كتبت الكثير في هذا المجال منها “كتاب البيئة”–إضافة إلى نشاطي على الأرض- كما أنه بيني وبين الزهور بأنواعها والنباتات علاقة ودية وأكثر. وأدّعي أنني أتحدث معها من غير نطق، فأفهمها عندما تشكرني وعندما تكون بحاجة إلى ماء أو عناية.

فلسفتي في الحياة تقول إن كل الكائنات شركاء لنا على كوكب الأرض ولكل نوع ثقافته. نحن نظلم لأننا نظن أننا الأقوى وفي الحقيقة نحن نتكامل، ونستمر إذا حافظنا على التوازن الضروري للبقاء، فإذا استمر الكره وزالت المودة بين الكائنات وزال التوازن بينها تزول عن هذه الأرض الحياة”.

 

 

-هل من كلمة تود قولها ختاماً؟

*”ختاماً يعني المسك، يعني الياسمين والزهور الجميلة، يعني الإنسان، يعني دمشق، التي قلتُ عنها في تقديمي لشعراء حلّوا ضيوفاً على أماسي المنتدى:

“دمشق.. قالوا عنها قلب العروبة (النابض) وهي إلى ذلك قلب العروبة (الحاضن) وحارس اللغة والثقافة العربيتين. لا شبيه لشعبها في إتقانه للغته العربية، حيث نكاد لا نجد متعلماً واحداً لغته غير سليمة.. وطائر الفينيق المنتفض من تحت رماد الحرب والدمار يحيي اليوم أماسي الفن والشعر والأدب وينشر الكتب، ويحافظ على مستواه التعليمي المشهود له. إن أول مدينة في التاريخ هي آخر مدينة يذبل فيها التاريخ أو يترنح. فكل المحبة والتقدير لدمشق الأدب والشعر والفن والثقافة”.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق