إضاءاتالعناوين الرئيسية

الالتزام في الموسيقا (1) .. مراد داغوم ..

|| Midline-news || – الوسط
.

الالتزام في الموسيقا*

لا يمكنني البحث في هذا الموضوع قبل أن أعرض مفهوماً مقبولاً للالتزام في الفن بشكل عام.
ولا يمكن فهم الالتزام بمعزل عن قضية تكون موضوعاً له.
وقبل هذا وذاك، سأتناول بدراسة عامة أفكار إحدى حلقات برنامج (ما وراء الخبر) الذي بثته قناة الجزيرة بتاريخ  17 يونيو 2006. لأنني أعتقد جازماً أن فهم الأفكار المطروحة في هذه الحلقة سيكون مساعداً هاماً في فهم البندين الرئيسيين المطروحين أعلاه.

قام مقدم الحلقة (محمد كريشان) بزج أسماء كبيرة مثل “الشيخ إمام” و”أحمد فؤاد نجم” و”مارسيل خليفة”  واستضاف الكبير “سميح القاسم” في حوار حي من الناصرة، حول موضوع أسموه: (الأغنية الملتزمة).

أنا دائماً أتحاشى إبداء رأي في فن “الشيخ إمام”، لأنني أحب شخصه وما يمثله من نضال مقدس أراه اجتماعيا وإنسانياً محضاً، وسيكون رأيي محابياً لهذه الشخصية في حين أن محبة الجماهير لفنه تنطلق من أركان أخرى. وأقول “أتحاشى” لأنني أيضاً أخاف من فهم الآخرين له ولفنه، هذا الفهم الذي ستكون نتيجته اتهاماً لشخصي!

رؤيتي لشيخ إمام منفتحة على حياته البائسة، جوعه وفقره، حرمانه من متعة بصره، اندفاعه الوثاب وإصراره على رسم صورة ما حوله وهو الأعمى، أسلوب حياة جعله نقي السريرة بلا أدنى خبث يتمتع به البشر من حوله حتى المقربون منه. وعلى ذلك، أراه مثالاً سامياً للإنسان المناضل بدون أن أنسبه لأي أيديولوجيا، أو جهة، حتى وإن استغلت الأيديولوجيات والجهات مجهوده البريء المثالي. أرى أعماله نتيجة معاناته الإنسانية ويراها سواي نضالاً سياسياً، فوظفوه ووظفوا فنّه لخدمة فكرهم، أيديولوجيتهم، مما أبعدني عن شيخهم وألصقني بشيخي الذي أعرفه.

يبدأ محمد كريشان الحلقة بتوصيف شيخه الإمام أنه “الواقف بصوته أمام سيف السلطان”، ويقفز مباشرة للسؤال: (أين تقف الأغنية الملتزمة في الوطن العربي اليوم وما دورها في تحريك الجماهير؟)…
هناك عبارة من (ألف ليلة وليلة) تقول: (اظهر وبان وعليك الأمان)… إذن، لم يكن “الشيخ إمام”مادة لفهم الالتزام يجب دراسة أسلوبه وتأثير معاناته الإنسانية، بل مجرد وسيلة لتحريك الجماهير اليوم، بلادة نخطوا عليها لتوصلنا إلى حراك ما، حرائق الشارع. بكل سهولة خلعوا عنه فضيلة التعبير وألبسوه عباءة التجييش، هو الذي عاش ومات فقيراً سيجنون من نضاله الإنساني ثروات لا تقدر بأثمان.

المحزن، هو أن “سميح القاسم” ابتلع الطعم، فانطلق بعفويته صادحاً: “نتعرض لهجمة شرسة تجعل الانخراط في الهموم الوطنية والقومية والإنسانية عبئاً وصعوبة قصوى بينما الانخراط في التفاهات ثقافة الهامبورغر والبيبسي كولا وثقافة البامبرز يا أخي هذا الانخراط الوضيع يؤدي إلى أمجاد مفتعلة وموهوبة بالكذب وغير موهوبة بالفن بدون شك لابد من حماية خندقنا الثقافي بالالتزام بالإبداع الحقيقي الحي وللأسف الشديد الاهتمام الآن بتداول سلطة الموت عند محمد الدرة وهدى غالية مثلا، محمد الدرة يغادر الحياة بين ذراعي والده ووالد هدى غالية يغادر الحياة أمام عينيها”.

وهكذا، تحولت الحلقة التي عنوانها (الأغنية الملتزمة في الوطن العربي) إلى ركوب ظهر الشيخ إمام لا لدراسة أغنيته الملتزمة، بل لاستعراض نظريات المؤامرة، والهجوم على أنواع الفن الأخر، ولإطلاق عبارات أشبه بشعارات أحزاب اليسار، تلعلع بالإبداع الحقيقي دون أن توضح له معنى محدداً.

لا ينحصر الالتزام بأغنية عن استشهاد محمد الدرة، ولا بالغناء ضد سلطان أو معه، للالتزام أساساً مفهوم مختلف بعيد عن الأدلجة والتوظيف الميداني السياسي، فما بالك بعسكرته؟

للتأكيد على الأهداف السامية للحلقة المذكورة، يصيح محمد كريشان [مقاطعاً]: “على ذكر الفن الرديء، لو سمحت  لي أن أنتقل إلى السيد بخيت في القاهرة هل انتشار فضائيات الغناء والرقص الذي ربما يوصف من قبل البعض بنوع من الأوصاف الأخلاقية القاسية لا نريد أن نذكرها على كلٍ هل هذا لعب دور في عدم بروز فن راقي نضالي على منوال الشيخ إمام أو مارسيل خليفة أو غيره في السنوات القليلة الماضية”؟

يجب أن تقوم كل الفضائيات العربية ببث أغنيات الالتزام حصراً، وإلا فهي منابع للرذيلة، هدف آخر للحلقة يتضح بهذا الهجوم على الفضائيات العربية وتوصيفها بالإجماع أنها (فضائيات الغناء والرقص)، ويزيد اتساع الهوة بين موضوع الحلقة (الشيخ إمام، الالتزام) وبين ما يتم الترويج له ويتم عرضه من أفكار تمهد للتجييش الجماهيري وتحليل المجتمعات استناداً ملغوماً على مصطلح بقي غامضاً من بداية الحلقة حتى نهايتها.

*مصطلح أتمنى أن نصل إلى مفهومه في مقالات قادمة..
.

*(ملحن وموزع وناقد موسيقي- سورية)

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى