اقتصادالعناوين الرئيسية

الاقتصاد السوري 2021 .. د. علي عيسى ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

أغلبنا قد يتذكر أن سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، في أواخر أيام العام 2019 ، كان دون الألف ليرة، ثم ما إن دخلنا العام الجديد، حتى بدأ انهيار الليرة يمضي بشكل متسارع، إلى أن تجاوزت عتبة  ثلاثة آلاف ليرة أمام الدولار قبل أيام، أي أنها فقدت 200 بالمئة من قيمتها خلال عام، وهو الأمر الذي يدعو للتساؤل: ما الذي حدث؟

سابقاً كان الأمر يعلق على شماعة الأعمال العسكرية، لكن العام المنصرم شهد وباعتراف الحكومة عودة الاستقرار الأمني لمعظم الاراضي السورية طوال العام .

وبناءً على معطيات العام السابق؛ هل نستطيع أن نتنبأ بوضع الليرة خلال العام القادم 2021 ..؟

أولاً .. دعونا نبحث في أحداث العام المنصرم عن أسباب قد تفضي بنا إلى تحليل هذا الوضع والذي دفع الليرة السورية للانهيار.

بدايةً  لا بد أن نعود إلى أرقام الموازنة العامة للدولة التي تم إقرارها، والبالغة 4 تريليون ليرة سورية، وهي موازنة تضخمية بالمقارنة مع موازنة العام 2019، والبالغة نحو 2 تريليون ليرة سورية، في وقت كانت فيه الليرة السورية تحوم حول سعر 500 ليرة مقابل الدولار.

هذا يعني أن الحكومة قامت بضخ مبالغ طائلة من العملة الورقية السورية التي كان يحتفظ بها في المصرف المركزي من أجل تمويل هذه الموازنة الضخمة، وهو ما أدى مباشرة لفقدان الليرة أكثر من 100 بالمئة من قيمتها، حالما دخلنا العام 2020، بسبب عدم قدرة الاقتصاد على امتصاص هذا التضخم عبر الإيرادات الجديدة، والتي تأتي غالباً من الضرائب والتجارة الخارجية، مع ملاحظة أن الميزان التجاري كان خاسراً، واقتصرت صادرات البلد على بعض المنتجات الزراعية والحيوانية التي سببت نقص في العرض الداخلي منها وبالتالي كان لها أثراً مباشراً كبيراً على الأسعار داخل القطر التي شهدت ارتفاعاً غير مسبوق، وأفضل مثالٍ على ذلك هو غنم العواس .

ثم جاءت الطفرة الثانية في منتصف العام 2020، التي دفعت الليرة السورية لكي تفقد ضعف قيمتها مرة أخرى، ونقصد قانون قيصر، مع تردي الأوضاع الاقتصادية في لبنان، فمع إعلان هذا البلد عجزه عن سداد ديونه المستحقة، ومن ثم الإعلان عن حزمة من القيود على السحوبات البنكية، التي تسببت على الفور بتضرر الليرة السورية، على اعتبار أن جزءاً كبيراً من أموال رجال الأعمال السوريين كان مودعاً في البنوك اللبنانية، ومن خلاله كان يتم تمويل عمليات الاستيراد للمواد الأساسية، بالإضافة إلى خلق التوازن لليرة السورية في أسواق الصرف، لكن كل ذلك تلاشى بشكل متسارع، وبالذات بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب من العام المنصرم، والذي وجه ضربة قاسية للاقتصاد السوري، ظهرت معالمها على وجه الخصوص، من خلال أزمة المحروقات وأزمة الخبز.

في حين عمل قانون قيصر على خنق الاقتصاد السوري بأزمة طاقة لم تشهد لها البلاد مثيلاً، ودفع المتعاملين مع الحكومة السورية للابتعاد خشية ان تطالهم العقوبات الأميركية، هذا الأمر ترك أثراً مباشراً نتيجة سحب هؤلاء الاشخاص والشركات لرؤوس أموالهم من سوريا وبالتالي خلق ازمة في عرض الدولار تجلّت بارتفاع مباشر في سعره .

إذاً، نحن أمام مؤشرين من العام 2020، تسببا في انهيار الليرة السورية، أحدهما داخلي وهو  الموازنة التضخمية، البالغة ضعف موازنة العام 2019، والثاني خارجي تجلى بقانون قيصر، إضافة الى الوضع الاقتصادي المتردي في لبنان .. وبناء على ذلك، كيف نستطيع أن نتنبأ بوضع الليرة السورية خلال العام القادم 2021 ..؟

من خلال معاينة أرقام الموازنة للعام 2021، سوف نجد أن الحكومة قامت نظرياً بمضاعفتها، إلى 8,5 تريليون ليرة .. أي أننا حكماً سوف نكون أمام انهيار لا يقل عن 100 بالمئة من سعر صرف الليرة، وخصوصاً أن وزارة المالية تحجم حتى الآن عن عرض موارد هذه الموازنة وتقدير نسبة العجز فيها .. وبدل ذلك تتحدث عن استراتيجية جديدة للتكليف والتحصيل الضريبي، دون أن تقدم كذلك أية أرقام، سواء عن نسبة تمويل الضرائب في الموازنة العامة للدولة، أو قيمة التهرب الضريبي السنوي .

قلنا نظرياً هي موازنة تضخمية يحتل الإنفاق الجاري فيها حصة الأسد 89% وحيث أن الحصة الأكبر منه تذهب للرواتب والأجور فهذا يعني أننا حكماً بانتظار زيادة في الرواتب والأجور لن تقل عن 50%، سيكون لها أثراَ أيضاً في ارتفاع الميل الحدي للاستهلاك وبالتالي ارتفاع آخر بالأسعار يفقد العملة بالحد الأدنى 20%  من قيمتها …

أما من الناحية العملية فإن موازنتنا معدلة على أساس سعر الدولار هي موازنة انكماشية تقل بـ 30% عن موازنة العام السابق، ولن يختلف الأمر كثيراً إلا باعتبار الموضوع اعتراف ضمني من الحكومة بالسعر الموازي أو غير النظامي لسعر الصرف، أي اننا نتوقع خلال العام الحالي 2021 حسب المعطيات أن تثبت الدولة سعر الدولار عند حاجز 3000 ليرة .

بالعودة الى تصريحات الحكومة حول التحصيل الضريبي فيمكن القول انه في  العموم، في بلد كسوريا، لا يمكن أن تصل نسبة تمويل الضرائب في الموازنة العامة للدولة أكثر من 15 بالمئة، هذا مع الأخذ في الحسبان بأن الحكومة فرضاً سوف تكون قادرة على ضبط التهرب الضريبي وتحصيل الضرائب المتراكمة ..

بالنظر  إلى مؤشرات أخرى كالتجارة الخارجية، سوف نجد أن بيانات وزارة الاقتصاد تقول بأن سوريا استوردت خلال العام الماضي بقيمة 5 مليار دولار، بينما صادراتها كانت بحدود 200 مليون دولار .. أي أن العجز في الميزان التجاري هائل، وهو كما قلنا من الأسباب التي تدفع بشدة للضغط على سعر صرف العملة وتؤدي إلى انهيارها.

وتحاول وزارة الاقتصاد كما تقول، أن تخفض فاتورة الاستيراد خلال العام 2021 إلى 3,5 مليار دولار، وذلك بعد أن أصدرت قرارات بوقف استيراد العديد من المواد، لوقف الطلب على العملة الصعبة مقابل الليرة السورية.. وهي عملية من شأنها أن تحافظ على سعر الصرف عند مستوى معين، لكنها لا يمكن أن تمنع انهياره.

أما العامل الأخير الذي سيلعب دور حاسم في تحديد سعر الصرف في العام 2021 فهو حزمة العقوبات الأخيرة التي فرضتها أمريكا على مجموعة من الشخصيات والشركات السورية بالإضافة إلى البنك المركزي باعتباره شخصية اعتبارية لها علاقاتها الواسعة مع الافراد والشركات والمصارف، هذه العقوبات من شأنها ان تقيد الكثير من المعاملات التجارية وتمويل العمليات الاستثمارية داخل القطر وسيكون لها أثرها الإنكماشي على الإقتصاد.

ومع دخول البلد مرحلة الركود التضخمي سنشهد ارتفاعاً غير مسبوق بالأسعار تفقد فيه الليرة مابين 150  الى 200 بالمئة من قيمتها، مع احتمال تخطي الدولار عتبة الآلاف السبعة مع بداية الربع الأخير من العام 2021 .

*دكتور في الاقتصاد – جامعة تشرين 
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى