أرشيف الموقع

الأمم المتحدة وكذبة مساعدة اللاجئين السوريين في لبنان

تحقيق : فراس الهكار .. 

خاص – || Midline-news || – الوسط  ..

“يُمنع اللاجئين السوريين من اصطحاب أطفالهم إلى مركز التسوق”، هذه عبارة مكتوبة على أوراق مُعلقة على أبواب وجدران مراكز تجارية معتمدة من قبل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في بيروت، لا تلتزم العائلات السورية بالتعليمات، ويصطحبون أطفالهم في رحلة التسوق الشهرية، ويجدون فيها فسحة للأطفال الذين يلعبون قرب أمهاتهم ينتظرون بدء صرف “البونات”.
ينزل مبلغ المعونة في حساب كل لاجئ سوري عند الساعة الثانية بعد الظهر في الخامس من كل شهر، 13 دولار أمريكي لكل فرد، وتبدأ عملية التبضع.

أم محمد لاجئة سورية من ريف الرقة تقيم في ضاحية لبنان الجنوبية، تأتي للتبضع مع جارتها من أحد المراكز التجارية المعتمدة لصرف معونات النازحين، تقول:”طلعنا على لبنان بعد ما سقطت المدينة، هربنا من الحرب وصرنا لاجئين بعد ما كنا ببيوتنا وعند أهلنا، يعطونا الأمم المتحدة مصاري ما تكفينا أكل أسبوع، والله لو ما نشتغل شوي وندبر أمورنا ألا نموت من الجوع”.
وتضيف صديقة وجارة لها بينما تتفحص أكياس الأرز في السوبر ماركت بحثاً عن الرز المصري: “كنا بسورية نأخذ مواد تموينية من الدولة كل شهرين بسعر مدعوم، ومستورين وعايشين والحمد لله، اليوم صار اسمنا لاجئين والناس تتحسن علينا، نتمنى نرجع على بيوتنا وما نريد لا الأمم المتحدة ولا مساعداتها، بس نرجع لبلدنا ما نريد شيء منهم”.
يلعب الأطفال في السوبر ماركت، ويتعرفون إلى بعضهم البعض، يُلبسهم أهاليهم أفضل ما عندهم من لباس كي يظهروا بمظهر لائق يحاولون إخفاء سمة اللاجئ عنهم، وتخفيف الوصمة التي تلاحقهم في لبنان أنهم سوريون.
يعاني السوريون كثيراً من التمييز حتى في مراكز التسوق، هذا الأمر يضايقهم نفسياً ويشكل عقدة نقص عند أكثرهم، لكن ليس باليد حيلة في ظل غياب التعامل الإنساني. تتبضع مواطنة لبنانية في ذات المركز، وتسأل اللحّام: “لماذا لا تقدمون فلاير على البضائع إلا في أول الشهر، يبدو أنكم تتقصدون ذلك من أجل السوريين، بينما اللبناني مش مهم بالنسبة لكم”.
“يا مدام العروضات لك الزبائن بغض النظر عن الجنسيات، والمتعارف عليه أن العروضات تكون في الأول من كل شهر في كل المراكز التجارية”. يجيب اللحام سوري الجنسية.

  • مبالغ زهيدة .

قليلة جداً المبالغ المخصصة للاجئين السوريين، لكل فرد من أفراد الأسرة (13 دولار أمريكي) شهرياً، هذا ما وصل إليه المبلغ بعد تخفيضه على مراحل عدة، (30 دولار في بداية الأزمة)، إضافة إلى إيقاف المعونات عن جزء كبير من العائلات السورية، على المبدأ الأسر الأشد فقراً أولى من الأسر الفقيرة، تمهيداً لإيقافها نهائياً. إلا أنه لا يوجد أي مقاييس معتمدة لتحديد تلك الأسر إنما يتم اختيارها عشوائياً، هذا ما يثبته واقع حال بعض الأسر التي لم تشملها تلك المعونة في الأساس رغم أن وضعها مأساوي جداً، بينما استفادت أسر أخرى وضعها أفضل بكثير.

تعزو الأمم المتحدة ذلك إلى ارتفاع عدد اللاجئين السوريين في لبنان فقد وصل حسب أرقام التسجيل لدى المفوضية العليا للاجئين، نحو مليون ومئة وثلاثة وسبعين ألف لاجئ في شباط عام 2015. إضافة إلى قلة المبالغ المخصصة من الدول المانحة للاجئين وعدم التزام معظم الدول بالإيفاء بالتزاماتها المالية تجاه اللاجئين. ولا بدَّ من الإشارة إلى أن الأرقام غير دقيقة ومبالغ فيها، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن نحو مليون عامل سوري كانوا يعملون في لبنان قبل بدء الحرب في سورية، إذاً هؤلاء ليسوا لاجئي حرب، تم تسجيلهم لاستثمار الأرقام سياسياً فقط!

يشتري اللاجئون مواداً تموينية بمبلغ المعونة، سكر وأرز وبرغل ومعكرونة وزيت، حددت الأمم المتحدة قائمة خاصة بما يسمح للاجئين شراؤه بمبلغ المعونة، لا يحق لهم شراء مواد التنظيف وغسيل الملابس، الطعام فقط.
يقول أبو ربيع: “أحصل أنا وزوجتي وولدي على مبلغ (52 دولار شهرياً)، هذا المبلغ لا يكفينا لسد الرمق، لو أني لم أجد عملاً أستر نفسي وعائلتي به كنا الآن ننام تحت أحد الجسور في بيروت، المبلغ قليل جداً إذا ما قورن بواقع المعيشة هنا، لكن الحمد لله على كل شيء”.

يتجول أبو ربيع وعائلته في أرجاء السوبر ماركت يجمعون ما يحتاجونه في سلة ويحسبون المبالغ كي لا تتجاوز ما تحويه البطاقة الزرقاء، ويشعر بالحرج عند الصندوق كما حصل معه آخر مرة. صرخت عليه الكاشيرة “شو بدك تأخذ السوبر ماركت بالخمسين دولار تبعك، لشو آخذ كل هالأغراض وأنت ما معك تدفع، إلا بس حتى تعذبنا بترجيع البضاعة الزائدة إلى مكانها”.
يُقبل مواطنون لبنانيون على شراء أكل القطط بكثرة، وبينما يحاول سوريون الاقتصاد ما أمكن لتأمين قوت عيالهم، يضحكون حين يرون أن قيمة طعام قطة واحدة يفوق ما تقدمه الأمم المتحدة للفرد اللاجئ الواحد.

  • مؤيدون ومعارضون .

يفتح لقاء السوريين في مراكز التسوق شهرياً أحاديثاً تبدأ من التعارف ولا تنتهي عند الموقف السياسي، منهم يلقون اللوم على النظام السوري ويتهمونه بسوء احتواء الأزمة منذ البداية، وآخرون يلقون باللوم على من حملوا السلاح في وجه الدولة السورية. يرتدي بعض الأطفال أطواقاً في رقابهم وأساور في أيديهم تدل على مواقف أهاليهم السياسية حتى إن لم يفصحوا عنها، لكنهم رغم ذلك شركاء في الوجع وضحايا لحرب عُرفت بدايتها لكن نهايتها ما زالت مجهولة.

أم خليل لاجئة سورية من مخيم اليرموك فقدت زوجها في المعارك الدائرة هناك، تحاول إخفاء أنه أحد مقاتلي “الجيش الحر”، تؤكد أنه كان يعمل في المجال الإنساني والإغاثة، وفي كلمات مقتضبة تقول: “الله لا يوفق ياللي كان سبب بتهجيرنا وفقداننا عوننا وسندنا، لم يكن زوجي على علاقة بالمسلحين كان همه مساعدة العجائز والنساء والأطفال، لكننا فقدناه هناك بقذيفة سقطت في الحي، بعدها غادرنا إلى لبنان ولا نعرف متى سنعود إلى بيتنا، هذا أن وجدنا لنا بيت”.

لا تغري معونة الأمم المتحدة اللاجئ السوري، فهي البحصة التي لا تسند الجرّة إلا أنهم يحاولون الاستفادة منها في البقاء على قيد الحياة إلى أن يجدون فرصة تعيدهم إلى منازلهم آمنين، ولا يبدو أن تلك الفرصة ستأتي قريباً.

* صحفي سوري

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى