إضاءاتالعناوين الرئيسية

الأغنية الشعبية الحديثة (2) .. مراد داغوم

|| Midline-news || – الوسط
.

بعد حديثي عن الأغنية الشعبية عالمياً في المقال السابق، ستكون نظيرتها العربية موضوعي لمقال اليوم.

دعونا أولاً نتفق على ماهية الأغنية الشعبية، فقد اعتاد الموسيقيون العرب على الخلط بينها وبين الفولكلورية أو التراثية. السبب هو إلصاق صفة (طربية) بأغنيات هي شعبية في الأساس، لأن كبار رواد الأغنية العربية في منتصف القرن الماضي هم اليوم رموز لما يسمى (الطرب)، وعليه، صارت كل أغنياتهم هي (طربية) شئنا أم أبينا. علماً أن علماء الموسيقا العرب في تلك الفترة أطلقوا تسميات على أخرى على هذه التصنيفات، سأخص بالذكر هنا تصنيف (طقطوقة).

(الطقطوقة قالب غنائي مصرية الأصل، لم تتأثر بالموسيقى العثمانية والتركية ولا علاقة لها بالأندلس كما في الموشحات ولا بالقصيدة والشعر الفصيح، شكل بسيط في كل شيء: الكلمات واللحن والشكل البنائي؛ من مذهب وأغصان ويُعاد المذهب أو جزء منه بعد كل غصن، التركيز كله على نجاح المذهب، لأنه إذا نجح المذهب نجحت الطقطوقة بأكملها. وبدأ الشعراء والزجالون في كتابة نصوص خصيصًا لتنقل اليومي والعادي، لا فقط أغاني أفراح ومناسبات، سنجد طقطوقات وطنية، وغزل صريح وعفيف، وأغانٍ تربوية واجتماعية، أصبحت الطقطوقة غناء الشعب، غناء الشعب لأن الطقطوقة نجحت في تحويل الموسيقى إلى منتَج شعبي، لاتستحوذ عليه فقط فئة ما.. لكن يسهل على أي شخص أن يغنيها). (1).

كمثال: أغنية (على بلد المحبوب) للسيدة أم كلثوم هي طقطوقة، (أنا في انتظارك) مصنفة على أنها طقطوقة أيضاً، وهي أغنيات أحبها الشعب ولاقت نجاحاً جماهيرياً واسعاً. ومع تقدم ستينات وسبعينات القرن الماضي، توجه الجيل الشاب آنذاك إلى مصادر أخرى للسماع، فقد أصبح المذياع المحمول بمتناول الجميع، إضافة لأجهزة تسجيل الصوت. وبذلك انتشر نمط جديد بدأ المستمعون يقيسون عليه  النمط الحركي المدروس مع توظيف واستثمار أدوات إيقاعية مختلفة الأنواع كانت نمطاً جديداً على الأذن العربية، تعلق بها الشباب ونبذها سلفهم بل شيطنوها. وفي تلك الفترة الزمنية بالذات بدأت بعض الأغنيات العربية تعتمد النمط الإيقاعي لأغنيات ليست عربية، وبأياد كبار موسيقيي تلك الفترة، فبعد أن قدم الرحابنة وعبد الوهاب وفريد الأطرش مثلاً ألحاناً على إيقاع التانغو والرومبا والبوزانوفا والمامبو، لم يكتف المغنون العاديون باعتماد الأنماط الغربية في أغانيهم بل قدموا أغنيات غربية بقوالب محلية لعل أشهرها أغنية (آه يا أم حمادة)التي عربها “محمد جمال” عن اليونانية وأغنية زوجته طروب (يا ستي يا ختيارة) التي عربتها عن الإسبانية. أغنيات لاقت نجاحاً شعبياً وانتشاراً منقطع النظير.

كان هذا النمط من الأغنيات مجرد تنبيه لفت نظر بقية المطربين إلى أن الأغنية التي يحبها الشعب يجب أن تجدد ثوبها. هذا التجديد الذي كان مقتصراً على القالب، أي على أسلوب تقديم هذا اللحن أو ذاك للمستمع. وبدأ هذا الأسلوب ينتشر بين مطربي الصف الأول فظهرت أغنيات تعتمد البساطة اللحنية لجملة موسيقية رشيقة مترافقة مع ضغط إيقاعي يخدم الجملة بتحريكها إيقاعياً مخاطباً أذن السامع وخصره بآن معاً. يمكن هنا الاستشهاد ببعض مما لحنه “ملحم بركات” الذي كانت ألحانه مسبوكة بجمل موسيقية رشيقة ومدعومة إيقاعياً بحيث تتوافق مع هدفين معاً: إعجاب أذن السامع وتحريك خصره. لا مجال البتة هنا أن نفصل بين العنصرين إذا لا يوجد ما يمنع اجتماعهما معاً، أي أن يعجب المرء باللحن ويهتز مع الإيقاع. هي أغنيات راقصة 100%، فمهما كانت سرعة الإيقاع بطيئة سيمكن التمايل على إيقاعها عندما يكون ضاغطاً بقوة بانسجام مع تقاطيع الجملة اللحنية.

وصلت العدوى لكبار مطربي الصف الأول، فالمستمع المتابع لأغنيات السيدة أم كلثوم سيلحظ ذلك الاختلاف في أسلوب ألحان أغنياتها منذ منتصف الستينات عما سبقها. حيث كثرت فيها الجمل اللحنية التي تعتمد على الإيقاع الراقص حتى في قصيدة الأطلال، كان المقطع الذي لاقى الإعجاب الأكبر عند المستمعين هو (هل رأى الحب سكارى) المبني على الإيقاع المقسوم الحركي بالرغم من عظمة سبك الجملة. كما تضمنت المقاطع الموسيقية التي تفصل ما بين الكوبليهات جملاً لحنية واضحة الحركة، حتى غدا بعض هذه المقدمات مقطوعات تفتتح بها الراقصات وصلاتهن بغض النظر عن اختلاف السرعات وعن التنويع في الإيقاعات ما بين مقسوم أو وحدة أو حتى وإن تضمنت إيقاعات غربية، فقد استمرت موسيقا (ليلة حب) مثلاً سنين طوالاً كأجمل لحن راقص.

الأغنية الشعبية إذن ليست من قوالب التأليف، بل هي تصنيف بحسب الانتشار الجماهيري. بهذا المعنى، يمكن أن تكون أي أغنية ناجحة شعبياً هي (أغنية شعبية)، حتى وإن أسموها “طربية”، فسيد الطرب السوري “صباح فخري” كان لا يتوانى عن الرقص على المسرح أثناء تأدية بعض أغنياته، ما خلا ما كان منها عصياً عن ذلك مثل (يمر عجباً). فالأغنيات المسماة “طربية” يمكن أن تكون شعبية، ويمكن أن تكون “راقصة”، أما الفصل بينهما في أيامنا فما هو إلا محاولة لتجميد ذلك التراث وقوقعته عبر إلصاقه بالجدية المفرطة للنمط التقليدي (الكلاسيكي العربي) كما يحبون تسميته، وهو أيضاً محاولة للنيل من بعض الأغنيات المعاصرة. وبهذا المعنى أيضاَ تكون كل أغنيات “ملحم بركات” هي أغنيات شعبية محضة، حتى أغنية فيروز (حبيتك بالصيف) هي أغنية شعبية بالرغم من قالبها الغربي، أو أغنية (غابت شمس الحق) لجوليا بطرس هي أغنية شعبية بالرغم من صبغتها الوطنية.

في بداية تسعينات القرن الماضي حدث ما قلب الأغنية العربية رأساً على عقب، حين انتشر أسلوب “حميد الشاعري” بشكل ساحق منسحباً على أنماط الأغنيةبكافة أنواعها أو اختلاف أصولها الجغرافية والإثنية، ذلك الليبي الذي كان يكنُّ  تقديراً عالياً وعادلاً للإيقاعات اللاتينية قام بتطبيق ذلك الأسلوب الإيقاعي مصحوباً بالإيقاعات المصرية التقليدية، أدى نجاح أسلوبه إلى فرضه على كبار المطربين مثل وردة الجزائرية وهاني شاكر.. نعرف تفاصيل ذلك في المقال القادم.

(1) – من مقال: الطقطوقة والمهرجان وبينهما 100 عام – لكاتبه: شريف حسن
.

*مراد داغوم .. مؤلف وموزع ونافد موسيقي – سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى