إضاءاتالعناوين الرئيسية

استخلاج  .. د. محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

 .

ذات مساء صيفٍ حار كنت متجهاً بسيارة “تكسي” قديمة إلى مكان ما في دمشق، لم أعد أذكره الآن. وقد كانت دمشق في مثل تلك الأيام من السنة تغص بالسيارات الوافدة من البلدان العربية القريبة، وكذلك من البلدات المحيطة بها، إضافة إلى المئات من سيارات أهلها الكرام. كما كانت الشوارع تعمر بعائلات المغتربين السوريين، الهاربين من حر البيوت، الحانّين إلى وطنهم، والراغبين بالاستمتاع بسحر الشآم، وبعطر الشآم.

وعند وصولنا إلى منطقة قريبة من ساحة “السبع بحرات” اضطُرّت السيارة للوقوف عديد المرات بسبب الاختناقات المرورية الحادة، حيث كان بين الانتظار والآخر عدة دقائق، لا بل أحياناً عشرات الدقائق. انتظار ممل، مصحوب بتعرّق دافق، مفعم بعبق رائحة تحت إبطي سائق التكسي، ومعشّق بهباب عوادم السيارات و”الميكروباصات” الممتزج بروائح إطارات السيارات على الإسفلت الملتهب، إضافة إلى قلق دائم من التواتر السريع لأرقام عداد تعرفة الركوب.

وأثناء توقفنا المتكرر كنت مضطراً لسماع أصوات صاخبة متنوعة، آتية من جميع الأنحاء، زمامير السيارات، وصفارات شرطة المرور، وصراخ الباعة المتجولين، ونواح واستجداء المتسولات، لكن كل ذلك لم يكن ليخفي هدير صوت مجلجل من مطرب شعبي معروف جداً كانت تبثه مكبرات صوت آتٍ من سيارة فخمة إلى اليمين منا. كانت سيارة مرتفعة العلو، ذات طراز قلما نشاهده في شوارعنا، تسير معنا خطوة بخطوة، وعلى التوازي تماماً، فإن سرنا سارت، وإن توقفنا توقفت. كان يقود تلك البارجة البرية على ما يبدو شاب “مستخلج” في الأربعينيات من العمر. أما كيف عرفت أن هذا الشخص يعمل في إحدى دول الخليج، فقد توضح ذلك من الكتابات الشاحذة للهمم على الزجاج الخلفي للسيارة. وأما كيف عرفت أن ذلك السائق مواطن مصنوع محلياً، فقد كان الأمر سهلاً جداً، لأن ما حصل لاحقاً قلما نراه إلا في الدوري المحلي، وإليكم التفاصيل:

كان ذلك “الكابتن” يختال بسيارته الجبارة “كاللورد”، يقودها وهو يحتضن ابنه الصغير، ذا السنتين أو الثلاث من العمر، يضمه بكل ما نعرفه عن عاطفة الأبوة الملتهبة حباً وحناناً، يرفع يديه بين الفينة والأخرى عن المقود، مسلّماً إياه للكابتن الصغير، ابنه “الجونيور”، وكأنه يبدأ تعليمه فنون قيادة السيارات. ثم كان كلما سارت سيارته بضعة أمتار أخذ بتقبيل خليفته من نقرته بشفتين غليظتين، إعجاباً بنباهته وبفطنته، راسماً على محياه غير الجميلة سعادة فائقة. ولعل سر تلك السعادة هو استشرافه المستقبلي بأن هناك ملاييناً من الدولارات تنتظر ابنه المعجزة، كما تساقطت من قبل على بطل “الرالي” العالمي “مايكل شوماخر”، على اعتبار أن موهبة القيادة التي تميز بها ذلك الألماني البارع قد ظهرت لديه مُذ كان عمره سنتين، كما تحدث عن نفسه ذات مرة.

لكن الأغرب من ذلك كان الابن الآخر ذا الخمس سنوات من العمر، الذي يقف شامخاً على المقعد الخلفي، يمد رأسه الصغير من فتحة سقف السيارة الملائكية، لتصبح رقبته عند حافة الفتحة تماماً، ويلوح للناس المنتشرين على الأرصفة أو المتجولين بين السيارات بيديه الصغيرتين البيضاوين، وهو يصرخ بأعلى صوته “بيب.. بيب” في إشارة للجميع أن ينتبهوا لسيارة أبيه العجيبة، مستنشقاً عبر فتحة السقف الهواء المشبع بروائح البنزين والمازوت، والمفعم بأكاسيد الكربون ورصاص عوادم السيارات المكتظة.

وبالطبع فإن مثل هذا النزهات الحميمية لن تفرط بها أيضاً الزوجة المشتاقة لأوكسجين وماء الوطن، فقد كانت تجلس إلى جانب زوجها المقدام، غير عابئة بمن حولها، منهمكة بقضم “صاروخ من الشاورما” عيار 100ملم. وقد يسألني سائل، كيف عرفت أن تلك “الصندويشة” كانت “شاورما”؟ وطبعاً الإجابة ستأتي من شكل الورقة المطرزة ببقع الدهن التي كانت تلف ذلك الصاروخ.

وبفضول رائع، وربما “بجكر” وفيضان الريق من منظر لقيمات الشاورما الشهية التي تطحنها أفكاك اشتاقت للوطن، قلت لسائق السيارة بكل أدب ولطف: أرجوك أن تنزل ابنك عن فتحة السقف! فالطريق مكتظة بالسيارات، وكلنا معرضون لاصطدام مفاجئ “لا سمح الله”، ورقبة ابنك عند فتحة السيارة، وهذا خطير جداً. أما ابنك الذي في حضنك “سلمه الله” فمستقبله على ما يبدو أنه مضمون، وهو على ما يظهر سائق بارع، لكنني مع ذلك أرى أن تبعده عن المقود، أو ربما تعطيه إلى والدته بعد أن تشبع بالصحة والعافية، أو ليجلسا معاً في المقعد الخلفي.

توقفت السيدة الذوّاقة عن قضم ما بقي من “صندويشتها” بعد سلسلة نصائحي الغليظة، وقد كادت اللقمة تغص في حلقها، فتجهّم وجه المستخلج قائلاً لي باستهجان وازدراء: و”شو دخلك فينا يا “بيك”؟ شعرت من قوله كلمة “بيك” ببعض التهكم، وكأنه يسخر مني ومن كلامي، فاستدركت الموقف سريعاً قبل أن يصل نقاشي معه إلى حدود لا يمكن ضبطها، فتخفق معها خطتي بحماية الطفلين على الأقل، فصرخت في وجه ذلك الرجل من دون أدنى تفكير، وبلغة اعتادها الناس من بعض المسؤولين المزيفين: قائلاً له بدون أي تفكير، وبصوت متحشرج غليظ، وبتقمص هيئة المسؤول عبر تقضيب الحاجبين: يا “باشا”، يجب أن تعرف مع من تتكلم، وإذا لم تعرف فاسأل عني، أنا موظف في الداخلية، أرأس لجنة حماية الأطفال من الإصابات الطرقية والمرورية، وأنا الآن في مهمة رسمية لتفقد واقع الطرقات، ويجب أن تفهم يا أستاذ شيئاً عن حقوق الطفل، وكونك  بذرتهما -أقصد الطفلين- لا يعني أن تصادر حقهما في الحياة.

فما كان من “المستخلج” إلاّ أن اختلج رعباً، فأعرب على الفور عن استسلامه السريع لفكرة المخالفة المرورية التي ارتكبها، فرفع زجاج سيارته الفارهة بهدوء، ثم أغلق فتحة السقف السماوية “بالريموت كونترول”، وشغّل “الكونديشن” الضخم ذا الاستطاعة القصوى بعشرة أطنان ربما، ثم رمقني بنظرة ساحقة ماحقة، تاركاً شوماخر الصغير في حضنه، تعبيراً عن تحديه وعصيانه لأوامر رئيس لجنة حماية الأطفال من الإصابات الطرقية والمرورية، ثم التفت بهدوء إلى زوجته السومو، التي تضامنت معه بابتسامة دسمة ضد رئيس اللجنة المزعوم، فمسح بيده وجهها المتندّي بالعرق نتيجة عراكها اللامتناهي مع “صاروخ الشاورما، ثم ما لبث أن قرّب من فمها فوهة “قنينة العيران” دليلاً على استنكاره الشديد لتدخلي السافر في شؤونه الداخلية. أما سائق التكسي الذي أرافقه فقد رفض رفضاً قاطعاً أن يأخذ من رئيس اللجنة أي قرش أجرة الركوب، ثم شد حزام الأمان معلناً -بالرغم من شيخوخته- التزامه التام بتعاليم رئيس لجنة حماية الأطفال من الإصابات الطرقية والمرورية.

.

*أديب وكاتب – وزير التعليم العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق