إضاءاتالعناوين الرئيسية

ادبكْ لأراك.. مراد داغوم

|| Midline-news || – الوسط
.

الرقص الشعبي الجماعي في بلاد الشام، سوريا ولبنان والعراق والأردن وفلسطين، يسمونه دبكة.
وبما أنها من الرقص، فهي خاضعة لنظام عّدِّ الخطوات المرتبط بضربات الإيقاعات، مثل كل أنواع الرقص العالمية، فللفالس تصميمات مختلفة لتنفيذ رقصاته بحسب تحريك الخطوات المدروس، والتانغو كذلك.

عند الاطلاع على تصميمات رقصات الفالس والتانغو والمامبو والبوليرو … الخ، تدهشك تلك الحركات الجميلة الرشيقة، والأهم “المتنوعة” ! لترى أن الراقصين يجولون الحلبة كلها برشاقة وبحركات منتظمة.
هناك أنواع أخرى للرقص الجماعي عالمياً، أذكر منها الكازاتشوك الروسية، والرقصات الشركسية البديعة، ورقصات دول شرق أوروبا ولا سيما الهنغارية، والرقصات الجماعية اليونانية، ورقصة المالامبو لدول جنوب أميركا، وغيرها الكثير. كلها رقصات يستعرض فيها القوم رشاقتهم وقدرتهم على تسريع حركاتهم المضبوطة إيقاعياً والمدروسة بعناية، وبالتأكيد تحتاج إلى جسم شاب وقوي لتنفيذ بعض تلك الحركات الصعبة ولا سيما في الرقصات الشركسية.
يرتبط الرقص ارتباطاً وثيقاً بإيقاع الموسيقا أو الأغنية، وتتم دراسة وتصميم حركاته المتعددة وفقاً لضروب هذا الإيقاع التي تختلف من ثنائية إلى ثلاثية (الفالس) إلى رباعية وسداسية. حيث يتحرك جميع الراقصين وفق تصميم عام ليتبادلوا الأماكن والأدوار بدون أن يتعارض خط سيرهم مهما كان التصميم معقداً. ولا يشترط وجود آلات ضغط إيقاعي شديد لتصميم وتنفيذ الرقصات، فأحياناً تكفي آلة البونكوز البسيطة لتنفيذ انجاز راقص معقد مثل تنفيذ رقص منفرد في الرقصات الشركسية عندما ينفرد أحد الراقصين بأداء حركات بالغة الصعوبة وتتطلب مقدرات رياضية عالية. لذلك الرقص أساساً من اختصاص المعاهد الرياضية ويتم تدريسه هناك كمادة مستقلة.
انفردت لبنان عن بلاد الشام بوجود فرق مختصة للرقص الجماعي، قامت هذه الفرق بتصميم دبكات خاصة على الأغنيات التي تُعرض عليها ويُطلب منها ذلك، كما اختصت فرقة كركلا بتصميم اللوحات الراقصة الخاصة بها، تلتها في سوريا فرقة الرقة للفنون الشعبية، ثم بعض الفرق التابعة لوزارة الثقافة وفرقة “إنانا” مع الفنان جهاد مفلح. إلا أن الفارق هنا كبير جداً، فهذه الفرق لا تقدم الدبكات الشعبية بل رقصات جماعية مدروسة بعناية في قالب يشبه الرقص الشعبي. ولما كنا نتحدث عن الرقص الجماعي “الشعبي” تحديداً توجب علينا استثناء هذه الأنواع من الدبكات المدروسة، ومعاينة نوع وحيد من الرقص الجماعي يعتمد على وزن إيقاعي واحد وثابت وعام حتى وإن كان وزن الأغنية يختلف عنه … ما يشبه النكتة بالفعل !
تتألف الدبكة السورية الشعبية من حركات ثلاثة، وست خطوات، أربع خطوات لليمين تليها خطوتان لليسار، ويتكرر الأمر.
بحسب تقديري، فهذا الوزن السداسي تم تشكيله أساساً ليتوافق مع لحن أغنيات الدلعونا سداسية الوزن في سوريا، ورقصات أغنيات الـ(شوبي) العراقية التي هي نوعان: رباعي وسداسي، يتم الرقص بخطوات سداسية حتى على أغنيات الوزن الرباعي بدون أي إحساس من الراقصين بأن الضغط الإيقاع يتبدل كل دورة ونصف !
لا يحتاج من يمارس الدبكة الشعبية السورية أي مهارة رياضية، فهو يسير متمهلاً مع الجماعة نقلتين لليمين ونقلة لليسار، ولا يحتاج أن يجهد ذهنه في عدِّ الخطوات فتجده يسير كآلة ميكانيكية، ولا يستعرض رشاقته حيث يمكن ن يكون ذو كرش “مدلوق” ولكنه يفخر باستعراضه. وإذا اقتضت الضرورة أن “ينفرد” بحركة تخصه فلا بدَّ له من أن يحوز على مرتبة علياً في تلك الدبكة فتسبغ عليه رتبة الـ(أوَّل)، والأول ببساطة هو أو راقص في صف الدبكة باتجاه المسير، يجب أن يتميز بأربعة أمور: أولها تلويحه بالمسبحة وهي مهارة تتطلب قدرات بالغة الصعوبة، وثانيها أن ينحني أحياناً إلى الأرض في مجهود عظيم يعتبره إنجازاً رياضياً هائلاً، وثالثها هو الصياح بصوت عال بألفاظ الدبيكة الشعبية، أما رابعها فهو أن يحوز على ثقة الدبيكة ويقبلون به !
تتطلب الدبكة السورية وجود آلة أساسية عظيمة الصوت تسمى (الطبل)، لا تنعقد بدونها أي دبكة، يتميز بعض المطربين الشعبين باصطحاب آلتين معاً من هذا النوع. وهي آلة كافية لإنجاز دبكة، فإن رافقتها آلة أخرى كالشبابة أو المجوز فهذا ترف ثقافي إضافي.
أقترح الاطلاع في الفيديو المرفق على بعض الرقصات المنفردة التي يؤديها راقصون شركس بارعون كتدريبات قبل يوم عروضهم في مهرجان جرش في الأردن، وهي مدروسة بالتأكيد ولا تندرج ضمن تبويب الدبكات الشعبية المحلية، لكنها تُظهر بوضوح المقدرات التي من المفروض أن تتوفر في راقص هذا النوع من الدبكات.
.

 

*(مراد داغوم.. مؤلف وموزع وناقد موسيقيسوريا)

 

فيديو: رقصات منفردة في مهرجان جرش:

https://www.youtube.com/watch?v=nY6pXWREzMM&t=391s

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى