إضاءاتالعناوين الرئيسية

إنسانية مفرطة.. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

.
كعادتِه مساءَ الخميس يرتّبُ محجوبٌ وأصدقاءَه مازن وهيثم ونواف الجلسةَ الأسبوعيّة للَعبِ الورقِ في منزلِه.
هيَ عادةٌ لم يُثنِهِم عنها أيُّ ظرفٍ مهما كان حرجاً،ولم يوقِفها أيُّ سببٍ وإن كان دقيقاً.
كان مازن وهيثم يتموضعان في اللعبِ كثنائيٍّ ضدّ الشريكين نواف ومحجوب.
ويتخلّلُ جولاتِ اللعبِ عشاءٌ على حساب الثنائيِّ الخاسرِ في جولة الخميس الفائت،وغالباً ما تكونُ “الشاورما”سيدةَ هذا العشاء.
كانت زوجة محجوب التي لم تنجب بعدُ تبيتُ الليلَ عند أهلها، رغبةً منها في الابتعادِ عن ضجيج اللعبِ،وتجنّباً لرائحة دخانِ السّجائر التي تملأُ أرجاءَ المنزل وتتعشّقُ الستائرَ والأرائك.
ولطالما طلبت زوجةُ محجوب الطلاقَ إثر مشاجراتهما الدائمة بسبب مهزلة الورق، إلّا أنهُ لم يحصل، ولم تنجح محاولاتُها الدّؤوبةُ في نقل موقعِ اللعب إلى منزل آخرَ.
مازن وهيثم مهندسان في منتصف الثلاثينيات من العمر، كانا زميلَي دراسة مع محجوب في المدرسة الثانويّة نفسِها،ثم عادا والتقيا به مجدّداً بعد عودته من الدراسة في أوربا، وعادت صداقتهم واللقاءُ الأسبوعي بينهم ، لتتعزّزَ الصِّلاتُ أكثرَ وأكثر.
وبعد تخرجّهما افتتحا سويّةً مكتباً هندسياً ينفّذانِ من خلاله بعضَ التعهُّدات، بينما نواف مقاولٌ ثريٌّ في الأربعين، يقيمُ في البناء نفسه مع محجوب، الذي يعملُ مديراً فنياً في أحدِ مصانعِ المثلجات.
عندما تبدأُ معاركُ لعب الورق كان جميع الجيران يسمعون صخبَها وما يصاحبُها في معظم الأحيان من ألفاظٍ غيرِ لائقةٍ بالسّمعة المجتمعيةِ لهؤلاء الرجالِ ، فقد كان التفوّه بالشتيمةِ أحد أركانِ لعبةِ الورق بين الأصدقاء الأربعة،وبدون هذه الملافظ لا تقوم لهم “بَرتيّة”!
وفي إحدى الليالي الموعودة، وبينما كانتِ الجولةُ الأولى بين المتنافسين تذهبُ باتّجاهِ الحسم، رنّ جرسُ الباب، استغرب محجوب ذلك الرنينَ في وقتٍ متأخرٍ.
قال في نفسه لربّما أحدُ جيران البناء يشكو من حدّة الصراخ والأصوات، فطالبَ أصدقاءَه بالهدوء قليلاً ريثما يعرف من الطارق.
حمل أوراقَ اللعب خاصَّتَه وذهبَ ليفتحَ الباب وإذ بمحاسبِ مصنعِ المثلّجات الذي يعملُ فيه يبلغُه عن أمانةٍ بحوزتهِ من صاحب المصنع له كمكافأةٍ عن إخلاصه في العمل، ومقدارها خمسٌ وعشرون ألفَ ليرةٍ،علماً أن هذا المبلغَ كان هائلاً آنذاك ويعادل أربعة أضعافِ راتبِ أستاذٍ جامعيٍّ.
فرحةٌ عارمةٌ تملّكَت محجوب ، فالمبلغ كبيرٌ لم يتوقعهُ ،ويستطيع أن ينجز بهِ أشياءَ كثيرة، ولكنَّ هذه الفرحةَ سَرعانَ ما طغى عليها التّفكيرُ بمُجرياتِ”دقّ” الورق،وكيف يربحُ، لذلك آثرَ أن يضعَ المال في مكان ما على عجلٍ و دونَ تركيز على الإطلاق ليعودَ إلى طاولة اللعب بشكلٍ سريعٍ ويكملَ الجولة.
انتهت منافساتُ تلك الليلة بفوز ساحقٍ للشريكين مازن وهيثم، ما جعلَ محجوب وشريكَه ينامان مقهورَين لارتفاعِ منسوبِ السّخرية التي كالها عليهما الثنائيُّ المنتصرُ.
ألقتِ الخسارةُ بظلالها على محجوب،فازدادَ الشجارُ العنيفُ بينه وبين زوجتهِ لاحتراقِ مفرش طاولةِ اللعب بأحد أعقابِ السّجائرِ ما أدى إلى تفاقمِ المشكلاتِ إلى حدّ القطيعة بينهما بضعةَ أيّامٍ، ولم تنتهِ إلا بحلولِ عيدِ الحبِّ حيث أودعَها قبلةً تعبيراً عن أسفِه لما حدث، ووعدٍ منه أن يتنبَّهَ لمثلِ هذه الهفوات في المرّات المقبِلة.
فكَّر محجوب كثيراً ماذا يهدي زوجتَه في يومِ الحبِّ،هذهِ المناسبةِ التي تقيم لها النساءُ وزناً كبيراً، بينما أغلبُ الرجالِ لا يُعيرونها الاهتمامَ إلا إرضاءً للزّوجات !
قال في نفسِه لم لا أشتري لها قطعةَ حليٍّ تليق بها؟
أجل ..
إنهُ الخيارُ الذي سيلقى صدىً محبّباً لديها دون أدنى شكٍّ.
تذكّرَ على الفور مبلغ الخمسة وعشرين ألفَ ليرةٍ الذي أتاه يومَ الخميسِ الفائت من صاحب المصنعِ.
لكن ولسوء حظه لم يستفكر أين ركنَ النقود ؛
أين تُراكَ وضعتَها يا محجوب؟
قال في سرِّه محاولاً إنعاشَ ذاكرته، ولكن عبثاً وبلا طائل.
بحثَ محجوب في كلّ مكانٍ يُحتَمَل أن يكون قد وضع المالَ فيه ولم يجد أثراً له،
سأل زوجته إن كانت قد رأت صدفةً هذا المبلغَ في مكان ما وهي ترتّب البيتَ فنفت نفياً قاطعاً أن تكونَ قد لمحَته، ما جعل قلبَه يتسارعُ حتى شعرَ بضيقٍ في أنفاسه وضغطٍ على صدرهِ، فطلبَ من زوجتِه أن تسألَ هاتفياً أم عبدو التي تساعدها في تنظيف البيت صباح يوم السبت من كل أسبوع، لكن الزوجةَ أبت بحزمٍ أن تفعلَ، خشيةَ أن تظنَ أمّ عبدو أنّه اتّهامٌ مبطَّنٌ بالسّرقةِ ، فتتركَ عملَها باعتبارِها سيدةً أمينةً أمضَت معها مدةً طويلةً ما نقصَ خلالَها شيءٌ أو ضاعَ من المنزل وإن على قدرِ حبةِ أرُزٍّ واحدةٍ من المؤونة.
جُنَّ جنون محجوب، وتعطّلَ تفكيرُه فمثلُ هذا المبلغ من المال قلّما يأتي ،وهو جنى تعبِه وسهرِه في الدراسة والعمل،
فكيف يضيعُ منه بهذه البساطةِ!؟
استجمعَ قوى الذاكرة،وبدأ يستفكرُ حركتَهُ في ذلكَ اليوم المشهودِ الذي أتى فيه المحاسبُ وسلَّمه المالَ من لحظتِها حتّى عودته إلى طاولةِ اللعب.
حاولَ تذكُّرَ كيفَ فتحَ الباب، وبأيّ يد استلمَ المبلغَ ، ثم بدأ يمثِّلُ حركتهُ ابتداءً من باب البيت إلى الصالون حيث طاولةُ اللعبِ كما يفعلُ المجرمون بعد القبضِ عليهم وتمثيلِهم الجريمةَ، لكن باءَ كلُّ شيءٍ بالفشل.
تسرَّبَ الشكُّ إلى قلبه :
أأكون قد وضعتُ المغلّفَ على طاولةِ اللعب مثلاً؟؟
كلّا !
لا يُعقَلُ أن أفعلَ ذلك على مرأىً من الأصحاب.
تُراني وضعتُه في جيبِ البنطال الذي كنت ألبسُه يومَها وسقطَ منّي على الأرض؟؟
اممم احتمالٌ وارد. لكن مَن أخذَه بعدَ ذلك؟؟
هل رغبَ أحدُ الأصدقاءِ بدعابةٍ ثقيلة الظلِّ معي فأخذ المغلّفَ وأخفاه؟
أم أن أحدَهم لمحَ المغلف في الغرفة الجانبيّةِ أثناء مرورِه إلى الحمّام، فوسوسَ له الشيطانُ بأخذه؟
لمَ لا ؟ الشيطانُ شاطرٌ، والمالُ السائبُ يعلّمُ السرقةَ ،وأنا لم أسارِع إلى وضعِه في مكانٍ آمنٍ حالَ استلامي إياه ،
ساعدني يا ربّ ، الشكوك تحاصرني حتّى لتكادَ تقتلُني. ولكن لا، لا، ما هذا الهراءُ الذي أفكّرُ فيه ؟! أصدقائي ميسورو الحالِ ،ومُحال أن يتحوّلوا إلى لصوصٍ في دقائقَ.. عليّ أن أتّجهَ بتفكيري إلى منحىً آخر .
لم يكن محجوبٌ قادراً على لقاءِ الأصدقاء قبل أن يجدَ حلَّاً لذاكَ اللغزِ المحيِّرِ فيهدأَ بالُه و تنفرجَ أساريرُهُ ، ويعود إلى حياته الطبيعية،فأصبح يؤجل اللقاء أسبوعاً تلو الأسبوع، إلى أن انقضى نحو شهر قبلَ أن يعاودَ محجوب الاتّصالَ بأصحابِه لدعوتِهم إلى سهرةٍ جديدةٍ حول طاولةِ الورقِ ليحكيَ لهم بصراحةٍ ما حصلَ في موضوعِ النقود، ويسمعَ ما عندهم بهذا الخصوص، فلربّما ينتظر أحدهم فرصةَ اللقاء ليعيدَ المبلغَ وينهيَ هذه المزحةَ السمجة.
وفي المساءِ المُنتَظَرِ حضرتِ الشلةُ استعداداً لبدءِ التحدّي، لكن الجو كان مشحوناً نوعاً ما، حتى ظنَّ الأصدقاء الثلاثة أنّ محجوباً غيرُ راغبٍ في وجودِهم، وأنه ليس في مزاجٍ مؤاتٍ للعبِ الورقِ، وأحسوا أنّ في الأمر مشكلةً ما. إنه ليس محجوباً الذي يعرفونه. لماذا هذا الوجومُ المسيطرُ على وجهه ؟ لكأنّ أمراً جللاً يشغَلُ بالَه.
سأل هيثمُ محجوباً ممازحاً :
ما بالُك اليوم يا بطيخ؟؟
أمتشاجرٌ أنت وزوجُك؟؟
إن كان وجودُنا يسوؤُها فدعنا نختَر مكاناً آخر !
أجاب محجوب بتجهُّمٍ :
ما هذا الكلامُ الذي تقوله أيها الحمار؟؟
منذ متى تتضايقُ زوجتي منكم؟
نحن نتسامر ونلتقي هنا منذ أمدٍ طويلٍ ولم تنبسِ المخلوقةُ ببنتِ شفةٍ!
قال مازن :
إذاً ما الأمر؟؟ ثمّةَ ما يشغل تفكيركَ يا طبل، ولا يمكننا أن نكملَ السهرةَ ما لم نعرف ما هو.
قال نواف:
أفصِح عما في صدرِك شريكي و”حاجتك حيونة بقا” !!
أفصح ،هيا قل!!
لكن محجوب ظل صامتاً يكظم شعوره بالغضب حتى برزت عروق وجهه . حينها تأكّدَ الأصدقاء أنه منزعجٌ من أمر ما لم يفصح عنه، وخاصة حينما سأل هيثم:
ماذا سنتعشّى اليوم؟؟
وإذ بمحجوب يجيبُ على الفور: اليوم لا عشاء، فأنا أعاني حموضةَ معدةٍ ولا يمكنني الأكلُ.
نظرَ الثلاثةُ الآخرون بعضهم بوجوه بعضٍ مستغربين ما قال، قال نواف :
هل أنتَ بخيرٍ محجوب بك ؟
ما بك يا بهيم ؟ انطق!
أجاب محجوب مقاطعاً : كفى!! توقَّف!! لم أعد أستطيعُ التحمُّل ، لقد ضاعَ مني مبلغٌ ضخمٌ من المال، فإن كان أحدُكم قد أخذَه فليُعِده !
ساد الصمتُ لحظاتٍ كانت كفيلةً بأن تضفيَ الوجومَ على الوجوه الحَيرى،ولكن ما لبثَ نواف أن خرقَ السّكوتَ بسؤاله:
ماذا ماذا؟؟ أخذ مالاً؟؟
هل تتَّهِمُنا بالسّرقة يا كلب؟
قال محجوب:
أرجوكم!! لا أحبُّ المزاحَ في أمور كهذه ، قد يكونُ المبلغ ضئيلاً في نظركم، أمّا في نظري فهو مبلغٌ كبير، وللغاية.
قال مازن مبتسماً:
قل كم؟ بالتأكيد إنه مالٌ حرام حتى ضاع منك !
قال محجوب مستهجناً السؤالَ عن مقدارِ المبلغ:
كأنكم لا تعرفونَ كم هو؟؟ طيب ، المبلغ هو خمس وعشرون ألف ليرة ، ليرة تنطح ليرة.
نظر الأصدقاءُ إلى محجوب بدهشةٍ،وانفجروا بلحظةٍ واحدة بالضّحكِ عالياً ،حتى وصلت أصداءُ قهقهاتِهم إلى سكّانِ البناء والجيران.
اغتاظ محجوب منهم وقال :طبعاً ، يحقُّ لكمُ أن تسخروا ،فالمبلغُ أكثرُ من تافهٍ بالنسبة إليكم ،أما إليَّ فهو جنى التعبِ والكدِّ وعرقِ الجبين.
قال مازن: أنا لم أر أية نقود.
كذلك قال هيثم: والله يا حقير أنا أيضاً لم آخذ أيّ شيء، لعلها الشغالة؟؟
قاطع محجوب تعليقاتِهم قائلاً :
لقد ساورَني الشكُّ في أم عبدو عاملةِ المنزلِ التي تساعدُ زوجتي في أعمال التنظيف.
لقد قمتُ بتركيبِ كاميرا خفية لأرصدَ تحرّكاتِها ،فوضعتُ بعض النقود في الخزانة التي أضعُ فيها حوائجي عادةً،وبدأت أراقبُ.
ولكن الخجلَ انتابني و لمتُ نفسي على فِعلتي حين لمحتُها على الكاميرا تخلعُ ثيابَها لترتديَ ملابس الشغل،
ففككتُ الكاميرا وأخفيتُها قبل أن تظنَّ زوجتي فيَّ الظنون، وتتّهمَني بملاحقةِ النسوانِ ومراقبتِهنّ!
والآن.. ماذا أفعل هل أخبرُ الأمنَ الجنائيّ بذلك فيفعل ما ينبغي فِعلُهُ؟؟
ضحك نواف قائلاً: لا حول ولا قوة إلا بالله ، لم تكتملِ تمثيليتي، لا تتّهم أحداً يا أجدب، أوَ لَم تعتَد على مقالِبنا؟
نعم وجدتُ المغلفَ على الأرضِ، وخطرَ في بالي أن أختبرَ صبرَك، وللمفارقة فإنّكَ لم تسألنا عن الأمر فورَ معرفتِك بضياعِ النّقود. حتّى أنا نسيتُ الموضوعَ ووضعتُ المغلّفَ في تابلوه السيّارة. ولو لم تحكِ الآن ،لبقيَ الموضوع مخفيّاً إلى مالا نهايةَ له.هيا افسح ليَ الطريقَ لأجلبَ لك مالك، ولكن انتبه، من الآن فصاعداً ؛ حذارِ أن ترمي المال هنا وهناك دون انتباه، “مو كلّ مرّة بتسلم الجرّة حبيبي”!
لم يرُق محجوباً هذا الهزلُ أبداً ، واعتبر أنّ ما حصل أمرٌ شنيعٌ يمسُّ شيئاً من كرامتَه نظراً لفارق الحالةِ الماديّةِ بينه وبين بقية أصدقائه، معتبراً ذلك نوعاً من التفاخرِ والتباهي مقابل محدوديةِ دخله، ما حزَّ في نفسه كثيراً وأزعجه منهم.
خرج نواف للحظاتٍ من المنزلِ ثم عادَ بالمبلغ مسلِّماً إياهُ لمحجوب ثم قال له:
لا تحزن حبيبي محجوب، “تعيش وتاكل غيرها يا ابني”.
أخذ محجوب النقودَ مغتاظاً دون أن يتفوّهَ بكلمة.
عادتِ اللقاءاتُ إلى حالها من جديد، واستطاع محجوب تجاوزَ تلك الحادثة وطَيَّها قدرَ المُستَطاع.
وبعد قرابةِ عام من تاريخه، وبينما محجوب يكتب تقريراً يخصّ عمله في مصنع المثلجات، احتاج إلى مرجعٍ موضوعٍ على أحد الرفوف العالية في مكتبه، فأتى بكرسيٍّ وصعدَ عليه ليستلَّ منه ذلك الكتاب، لكنه لم يتمكّن تماماً ، فسحَبه بصعوبةٍ وسقطَ والكتابَ أرضاً، وللمفاجأةِ ،تناثرت من الكتابِ الورقاتُ النقدية من فئةِ الخمسمائة ليرة كما تتناثرُ حباتُ الثلج من السماء.
ذُهِلَ محجوب ما رأى ، وأخذ يتساءلُ في نفسه؛ من أين أتت هذه النقود؟؟
وقاده تفكيرُه إلى الشغَّالةِ أمّ عبدو،أتراها تدسُّ يدَها بخفةٍ من حينٍ لآخرَ في الجيوبِ والأدراجِ والخزائنِ وتسحبُ القليلَ وتجمعه في أماكنَ بعيدة عن الشبُهات، كيلا يلاحظَ أحدٌ ضياعَ مبالغَ كبيرةٍ منه.
أيمكنُ أن يكونَ محجوب قد اهتدى إلى حلّ لغز هذه النقود؟
صرخ محجوب منادياً زوجتَه أن تعالي وانظري إلى هذه المفاجأة.
قالت له وهي مشدوهةٌ:
– يا إلهي!! ما هذه النقودُ؟
-الجواب يا زوجتي العزيزة عند أم عبدو !
– ماذا تقول؟
أجاب وهو يجمع الأوراق النقدية المتناثرة هنا وهناك ويعدّها:
– “أم عبدو عم تسرقنا يا مَرة” !
أجابت وهي تبحلق عينيها:
أشكُّ في نفسي ولا أشك فيها.
انتهى محجوب من العدِّ وقال :
إنها خمس وعشرون ألفَ ليرة بالتمام والكمال.
تصوّري المبلغَ الذي سرقته.
سكت بعدها يفكرُ لثوانٍ ثم قال: انتظري يا امرأة ، إنّ في الأمر سراً.
قالت له مستغربة:
سرّ؟؟ وما هو هذا السرّ؟
أغمضَ محجوب عينيه وكأنهُ يستذكرُ تلك اللحظاتِ التي استلم فيها مغلفَ النقودِ من محاسب مصنع المثلّجاتِ ،وكيف قام بوضعها بين دفّتَي ذلكَ الكتابِ الذي سقطَ من الرَّفِ، وأسرعَ بعدَها إلى الطاولةِ لمتابعةِ لعبِ الورق مع أصدقائه.
وفجأة ضربَ كفَّهُ على رأسه ثم قال: وجدتُها
قالت له وهي في غاية الدهشة: ماذا وجدتَ ؟؟
قال لها: هي الخمس وعشرون ألفَ ليرة نفسُها التي ضاعت مني منذ نحو سنةٍ.
أطرقت برأسها تفكّرُ ثمّ قالت:
-نعم أذكر ذلك، وليس هناك إلا تفسيرٌ واحد لوجودها هنا.
– وما هو هذا التفسير؟
– على الأغلب كتبُك كانت يومَها مبعثرةً على طاولة المكتب هنا وهناك، وقمت حينَها مع أمّ عبدو بترتيبها على الرّفوف دون أن ننتبه إلى وجود مغلّفِ المالِ داخلَ ذلك الكتاب.
قال: فعلاً ،الآن تذكّرت، قد وضعت المغلّفَ ليلتَها في الكتاب،لكن.. استدركَ قائلاً:
انتظري قليلاً ،كيف اعترف صديقي نواف أنّه هو من أخذ النقود،وأعادها إليّ بعد أسبوع؟
لا ريبَ أن هناك لغزاً محيِّراً في المسألة. وأخذ بسرعةٍ سماعةَ الهاتف متّصِلاً بنواف. قال له:
نواف صديقي ،هل لي أن أستفسرَ عن أمرٍ وتجيبَني عنه بصراحة؟
قال نواف: بكلِّ تأكيد.
قال محجوب: هل تذكر يا نواف يومَ ضاع مني مغلفُ نقودٍ فيه خمسة وعشرون ألف ليرة، وقلت لي حينها إنكَ أنتَ مَن أخذ النقود من قبيل المزاح، ثم أعطيتَني المبلغ؟؟
قال نواف مبتسماً: نعم..أذكر ، أذكر جيداً.
قال محجوب: وبمَ تفسِّرُ أنني قد وجدت هذا المغلفَ في مكتبي في البيت؟
تلكّأَ نواف في الحديث: أرجو أن يكون الكلامُ سرّاً بيننا.
قال محجوب: وهو كذلك قل ولا تخَف.
قال نواف: نمي إليَّ كلامٌ على لسانك ثرثرته زوجتُك في إحدى اللقاءاتِ الصباحيّة مع الجاراتِ بأنكَ تشكّ في أنّ أصدقاءَك هم مَن أخذوا نقودك، فإن لم تعد إليك هذه النقودُ فستثبت التهمةُ علينا، وهذا كلامٌ خطير لا يصحُّ أن يقالَ فينا، فأنت تعرفُ مقامَنا وسُمعتَنا ،أنا وهيثم ومازن، بين الناس والعملاء، لذلك آثرتُ أن أمثلَ دورَ من أخذ النقودَ مزاحاً وأعطيتُها إليك حتى لا يذيعَ صيتُنا بأننا سارقون ، حتى لو كان الأمر من قبيل المزاح، فسمعتُنا أعزُّ ما نملك.
كذلك خفتُ من تهديدك بأن تتصلَ بالشرطة لاستجواب العاملة أم عبدو، فصحيحٌ أنها تأتي إليكم يوماً واحداً، لكنها تأتينا أربعةَ أيام في الأسبوع لتطبخَ وتنظفَ وتغسلَ وتكويَ وتعتنيَ بصغيرتِنا ، بينما زوجتي لا تعلم شيئاً عن البيت، إنها فقط معنيّةٌ برياضتِها وهندامِها وتسريحتِها وجلسات الثرثرة والنميمة النسائية!
نحن يا صديقي نعرف أم عبدو منذ زمن بعيدٍ وهي إنسانة طيّبة أمينةٌ حتّى لأخالَها أشدَّ حرصاً على مالِنا منّا بالرغم من وضعها المعاشيّ الصعبِ،كونها معيلةً لأربعةِ أولاد بعد وفاةِ زوجِها.
وإذا قمتَ بالادّعاءِ عليها في فرع الأمنِ الجنائيّ فلن يُطلِقوها بسهولة، وقد تعترفُ بفعلِ ما لم تقُم به، وبالتأكيدِ فإنها ستتركُ بناءنا الذي نسكن فيه أنا وأنت بعد استجوابِها والإفراجِ عنها، هذا إن أفرِج عنها !!
قلتُ في نفسي لمَ لا أدفعُ عنها أيضاً هذه التهمةَ وأعطيكَ نقودك الضائعة؟ فوالله إن تركتنا أمُّ عبدو سأموتُ وابنتي جوعاً، ونغوصُ في الوخم، فلا طاقةَ لزوجتي على الأعمال المنزلية بتاتاً.
قال محجوب: هكذا إذاً ؟؟ سأرسل لك نقودَك في الحال.
قال نواف: لا لا ، أعطِها من فضلك لأم عبدو فهي في أمسِّ الحاجة إليها.
همهم محجوب قائلاً في قلبه قبل أن يغلقَ الهاتف مودّعاً نواف :

حقّاً إنّ إنسانيّتَك مفرطةٌ يا صديقي.
.

*أديب وكاتب.. وزير التعليم العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق