رأي

إشكالية الدين والعلمانية .. سامر ببيلي ..

|| Midline-news || – الوسط …
 

كل أمة قادرة أن تعيد بناء ذاتها بالأسلوب الذي ينسجم مع خصوصيتها وأصولها إذا احدثت تنظيماً داخلياً يعيد بناء الجهاز الـنَّـفْـسي الجمعي ، ويكون ذلك عندما يشعر كل فرد إنه ينال حقوقه المدنية ، ويشعر انه يعيش في نظام يعبر عن ذاته ويترجم ضميره ويستوعب ظروفه.

البعض يرى الحل في القطيعة التامة مع التراث الديني والسياسي ، لكن الواقع العملاني يقتضي أن تكون القطيعة مع الجوانب المظلمة في التاريخ السياسي والعقائدي، ونحن بحاجة قطيعة مع الدين التبريري وإحياء الدين في بُعده الروحي والانساني، وأن نفهم الدين خارج الصراعات السياسية التي تتلبس بلبوس الدين، وكشف خدعه التي خلطت الدين بالممارسات السلطوية الزمانية.

والعلمانية تأتي في هذا الإطار على نحو ليس صدامياً مع المجتمع، بل كمنظمٍ للعلاقة التبادلية بين المجتمع والدين من جهة وبين الدين والدولة من جهة أخرى، وهي ليست اقتلاعاً لجذور المجتمع الدينية، ولاتمثل إيديولوجيا مفروضة بقوة الدستور، فاذا أخذت العلمانية مظهراً إيديولوجياً يخدم أهدافاً خاصة ، ولم تكن خياراً شعبياً فستشكل خطراً على المجتمع اذا طُرحت على انها نظرية إلحادية تتصادم مع فطرة الإنسان، فالدين هو الزَّخم الأخلاقي الخالص الذي سينعكس على مؤسسات الدولة التي تحقق المصلحة الاجتماعية، وتكامُل الضمير الفردي مع الجماعي.

إن حالة الإحباط ولَّدت شعوراً بعدم التوافق الذاتي، فعملت على الإزاحة، وهي إحدى حِيَل الدفاع النفسي على نقل موضوع التوتر والقلق وتحميله أفكاراً وموضوعات أخرى، فكان الدين ضحية هذا الصراع، إذ تعلَّقت به أسباب هذا الصراع، وتعرض لعدوانية علمانية إيديولوجية شرسة بأساليب وآليات مستعارة.

الموقف السلبي من الدين في الأساس مأخوذ من الحضارة الغربية، وهو عميق الجذور يمتد إلى ماقبل مرحلة حكم القساوسة ، وإلى أعمق من ذلك، وهو أثر الثقافة الدينية اليونانية على الفهم الغربي للدين، وفي توجيه العقل الديني، وهي ثقافة أسطورية خلطت المفاهيم بين قوانين الطبيعة وبين الواقعية الالهية . والسبب الثاني هو ثقافة تسلط الكنيسة على الدين المسيحي وخلق حواجز مادية ونفسية بين الدين والفكر الحر.

واحدة من الدعوات العلمانية الأوروبية التي تمسك بها بعضنا اليوم هي تلك الدعوة المعادية للدين، والتي تعبئ المجتمع لمحاربته ونبذه، وفي حقيقتها ثقافة منحدرة من الإرث الأسطوري، ابتداءً من هوميروس الذي صوَّر الانسان انه مستلبٌ من قبل الآلهة، وتتحكم في مصيره مجموعة من الآلهة، وهي رمز البطش، خالية من الرحمة والعدالة، فكان الأدب يصور الإنسان بصفته مكافحاً ضد الآلهة والدين من أجل أن ينال حريته، ولم تكن هذه الآلهة سوى قوانين الطبيعة من زلازل وبراكين وعواصف وبرق .

إذاً هو صراع مع قوى الطبيعة وليس مع الدين، والمشكلة ان المزاج الغربي تأثر بالإرث الأسطوري واكتنزه في لاوعيه، وهو صراع خلَّف عدوانية عصابية تستند الى إرث رجعي أسطوري، وليس إلى حقيقة موضوعية، أي الى خطأ فلسفي ووهم فكري، ومن الطبيعي أن يتبنى الإنسان الذي يحاول إقصاء الدين ويلغيه من مسرح الحياة فكراً فلسفياً يُسهم في ذلك الإقصاء أو الإلغاء، لذلك نجد عند علمانية العرب المستعارة إحياءً للنزاعات السوفسطائية والشكية.

التغير يُقصي الحقيقة منطقياً وزمانياً، فالمبدء هو الشك الدائم، وأطلق عليه مذهب الشك، أما مذهب اليقين فهو يعترف بوجود حقيقة وإمكانية الوصول الى حقيقة ثابتة عن الوجود، والمذهب الشكي وجد أنصاراً له في الفكر القديم والحديث، من السوفسطائيين إلى بيرون وقراطيلوس، ومن ثم هيوم والمدارس الوضعية والتحليلية في العصر الحديث ، لكن العلم والفكر الفلسفي لم يشقا طريقهما عبر التاريخ إلا بعد نبذ السوفسطائية والنزعة الشكية، وتبني فكراً يؤمن بقيمة الحقيقة ويبحث عن مقاييس موضوعية ودقيقة لها.

مطلقية التغير في مفهومه السوفسطائي والعلماني اليوم مبدأ سلبي يُقصي الحقيقة ويفضي الى استحالة المعرفة، ولما كان كل شيئ في تغير مطلق فلايمكن أن نطلق حكماً صادقاً ثابتاً على أي شيئ، وإذا امتنع الحكم امتنعت المعرفة لان المعرفة حصيلة أحكام مترابطة، فبرأي السوفسطائي وفلسفات الغرب اليوم ، ان الانسان مقياس كل شيئ ، مقياس وجود مايوجد ولاوجود مالايوجد، ويصبح للحقيقة مفهوم ذرائعي، والحقيقة هي ماتقرره مصلحة الفرد، وهي مصلحة مجردة من حكم القيمة الأخلاقية والإنسانية.

المنظور المادي للانسان هو استلاب حقيقي للإنسان، لأنه يساويه بالأشياء، والحتمية الطبيعية للانسان تجرده من عناصر الإرادة وتجعله كالآلة الصماء، بعكس المنظور الإلهي الذي يكون فيه الإنسان مقابلاً للطبيعة، لأن إرادته ليست مستمدة من الطبيعة، لذلك فهو قادر على إخضاعها وقهرها.

العلمانية من إنتاج عصر النهضة الأوروبية، لها أسبابها وظروفها، وبقيت على مدار سنين طويلة مدار بحث وتجريب ودراسة إلى أن أقرت بمايتوافق مع المجتمع الغربي، وهي كبقية مفاهيم وأسس الحداثة يمكن استيرادها مع تعديلات توافق مجتمعنا الشرقي الغني بالتنوع العرقي والديني والمذهبي والطائفي، لتشكل حالة توافق وانسجام ومساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات تحت سقف الدستور أو قانون الإرادة العامة الذي يصيغه كل شعب وفق مايناسبه.

*إعلامي سوري – دمشق
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق