إضاءاتالعناوين الرئيسية

إرثٌ يتنازع عليه موتى .. عباس ثائر

|| Midline-news || – الوسط

.

لا نفهم ما يحدث داخل اللغة من نزاع وصراع وألفة وحب، هذا أكيد؛ لأننا على الدوام نجلس خارجها.. ما اللغة غير جثة غريق كان يسبح في دجلة كثيرًا إلا أنه غرق خارجها! غرق في بحيرة صغيرة، لم يغرق فيها أحد من قبل، فكلّما غرق آخر بعده صار الناس يشيرون إليه: أنه فاتح البحيرة الصغيرة بالغرق الكبير، والمبشّر في الموت فيها، أنه كان أول الغرقى، والبادئ لذلك الموت، مكتشف الغرق الأكبر في نهر لا يُغرق، مبتكر الموت الكبير في نهر صغير..
ما اللغة سوى أن تغرق في نهر غير نهرك! أيها المسكين، من يحمل نعشك الصغير حيث العراق. من يخبر الأرض: إنّ من يشرب ماءً كثيرًا يموت عطشًا، من يسأل الأرض عن أحوال الموتى، وماذا يقولون، وعمن يتحدثون؟ هل مازال أحدهم يمارس رياضته المفضلة، المصارعة مثلًا؟ هل يتنازع الموتى على إرث ما، هل ينهر أحدهم آخر لأن مزاحه أيقظه من نومه؟ هل يشرب العراقيون “شاي العصر” في القبور؟ هل يلقون بالقصص الساخرة على حكام ماتوا أيضًا؟ من يأخذ تابوتك الصغير إلى أهلك؟
مات وهو يفكر في الزواج بروسية، كان يحلم بأنّ يحظى بجواز سفر ينقذه من حياة تزاحم فيها الموت وشحت فيها النساء، وكثرت فيها القبائل وشيوخها، وصار الفسّاد فيها رجال الدين.
جاء من جنوب العراق مبللاً بماء دجلة برأس حار، لم تدفئه ثلوج روسيا، بعد أن فكر أهله أن يصير لهم ولدًا مهندسًا في النفط؛ قرروا إرساله إلى هناك، فالعراق كما تعلمون “ابن النفط وأبوه” إلاّ أن مدافئنا النفطية تخلو من لتر واحد من ذلك النفط المزعوم.
حزم حقيبته وجاء إلى روسيا، أنهى أربع سنوات فيها وأقبل على الخامسة، لكنه غاص في بحيرة “كراسنيدار” الصغيرة، ولم يخرج منها إلاّ بعد يوم كامل، وجدوه في مكان آخر، كأنه يحاول الهروب من الموت فما استطاع أن يفلت من موته. لم ينجز مهمته، ولم يتزوج ليهرب من الموت الذي كان يعيشه في الحياة الميتة، فقرر أن يعود لأهله -أخيرًا- بتابوت لم يصنعه نجار عراقي.
منذ أربع سنوات لم يرَ أهله، وأهله لم يروه، مبارك لهم قد التقوه أخيرًا. هاهم يحتضنونه، هذه هي أمه تشمّه وتقبّله، إلا أنهم شعروا بعد قليل من تلك الحميمية، أن ابنهم غدى جثة باردة، ربما ثلج روسيا الكثير صيره باردًا، قالوا لأنفسهم، لكنهم آمنوا رغمًا عنهم -لاّنه كان لا يرد الجواب على أمه ولم يقبلها حتى- صدقوا، فآمنوا أنّه صار جثة فقط، جثة شربت ماءً كثيرًا حتى عطشت، فأُودعت في النجف، في مقبرة “وادي السلام”، وكانت أمه تقول: أمنتّه عندك، احفظه من الموت، أيها الحي أبد الدهر في روحي.
غرق صديقي وظل مكانه فارغًا، وسريره الذي يقرب سريري فارغًا حتى شغله غيره..
.

*شاعر وكاتب من العراق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى