الوسط الثقافي

أيمن الدقر : الفن واحد .. لهذا أتنقل بين الفنون التشكيلية والكتابة الدرامية ..

حولتُ قصيدة نزار القباني ومعلّقة عنترة العبسي إلى سلسلة لوحات .. الحفاظ على سوريا يعني الحفاظ على الثقافة والفكر والفن ..

|| Midline-news || – الوسط …

حوار : روعـة يـونـس

 

أجمل ما قد يثمر عنه الحوار مع شخصية ذات تجربة ثرية، هو الإصغاء إلى جملة الحالات والتحولات التي مرّ بها عبر تجربته ، لهذا يجيء الحوار مع الكاتب الدرامي والنقيب السابق للفنون الجميلة الفنان التشكيلي أيمن الدقر متنوعاً سريعاً كومضات، كل ومضة في جانب من الجوانب التي خاضها خلال 65 عاماً .

بعد تكريمه العام المنصرم في معرض جماعي شاركت به اتحادات وجمعيات الفن التشكيلي، كرّمت مؤخراً مديرية المراكز الثقافية بوزارة الثقافة الفنان أيمن الدقر تقديراً على إسهاماته الكبيرة في الحركة التشكيلية السورية، وكل المسؤوليات التي تصدى لها في كافة المواقع التي رأسها وأشرف على سير العمل فيها ، وشارك في احتفائية التكريم كوكبة من الفنانين التشكيليين والأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي، وسط حضور وسائل الإعلام والقنوات الفضائية محلياً وخارجياً ، فيما لبى فناننا دعوة “الوسط” للانفراد بحوار معه بعيداً عن التصريحات العاجلة والمؤتمرات الصحافية.

ماذا يعني لك التكريم ؟ هذا سؤال لا بد من الاستهلال به ، لكن تحديداً أريد رصد مشاعرك وأنت تراقب الأصدقاء والحضور يتلهفون لتقديم شهادتهم بك وبتجربتك الثرية؟

  • صحيح أن التكريم كان للاحتفاء بالفن والهواية والموهبة والإبداع ، وهو بطبيعة الحال مصدر سروري كفنان. ، لكن إنسانياً لا يمكنني التعبير كم كنت أحتاج لأستوعب احتضان كل الحب الذي غمرني به الأصدقاء والحضور، كثيرون جاءوا حفل التكريم بشهادات قالوها عني، تأثرت بكلمات الوفاء، وعبارات التقدير ، لا يمكن رصد مشاعري أمام حضور كل هؤلاء الذين ينتمون إلى مختلف المؤسسات والإبداعات والمهن والقنوات الفضائية والجمهور المثقف ليعبروا عن الاهتمام بفنان سوري أمضى عمره في مجالات الفن.

“أمضيت عمرك في الفن” إذاً فالرسم هواية الطفولة التي درستها فيما بعد، ومارستها طيلة سنوات حياتك. أرجعنا إلى ذاك الوقت، إلى أيمن الطفل؟

  • أعتبر نفسي من القلائل الذين حالفهم الحظ فدرسوا ما أحبوا، كان حلمي منذ طفولتي أن أكون فناناً تشكيلياً، وساعدني بتحقيق هذا الحلم والدي وخالي المرحوم الدكتور حافظ عبد الهادي الذي أهداني أول مجموعة ألوان وأنا في السادسة من عمري، كنت طفلاً ويسكن إلى جوارنا الفنان زياد زكاري، كنت أراقب ما يرسم بشغف، وكان يلاحظ اهتمامي وشغفي وأنا طفل، فيشرح لي ما يرسم وكيف يقوم بخلط اللون باهتمام. هذا قبل المرحلة الابتدائية. أما عند دخولي المدرسة أقامت وزارة التربية مسابقة للأطفال الموهوبين في ثانوية جودة الهاشمي 1961 فاصطحبني والدي إليها وشاركت بها ولم تصدر النتائج حتى الآن!

نمت هوايتك وتشكّلت موهبة أسعفتك في دخول كلية الفنون الجميلة والحصول على لسانس من جامعة دمشق، فماذا كان بعد ذلك ؟

  • باشرت العمل الفني من خلال إنجاز عدة لوحات، وكانت لدي آنذاك آراء ورؤى فنية، فكان أن ترأست المكتب الفني لدورة حوض البحر الأبيض المتوسط 1987، وترأست بعدها فرع دمشق لنقابة الفنون الجميلة 1992 وخلال تلك الفترة كانت الحركة التشكيلية تتنامى، وكنت معنياً بالعمل على ازدهارها. وفي عام 1994 كنت عضواً في مجلس محافظة دمشق فأسست المهرجان الثقافي الأول لمحافظة دمشق مع السيد محافظ دمشق زهير التغلبي والإعلامية فاتن صبري ووضعنا نظام المهرجان. بعد ذلك سافرت إلى الإمارات للعمل في صحافتها كرسام ثم مدير قسمي التحقيقات والإخراج الفني.

سأتوقف مع جانب الصحافي لديك، قبل الاسترسال في الفن. منذ متى عملت في الصحافة؟ هل كانت مجلة “حياة الناس” في الإمارات أول دخولك عالم الصحافة؟

  • عملت في الصحافة منذ كنت طالباً في كلية الفنون الجميلة، في ذلك الوقت لم يكن في سوريا صحافة خاصة، كانت تصدر مجلات وصحف عن جهات حكومية مثل “المرأة العربية” التي عملت بها فترة من الزمن و”جيش الشعب” التي عملت بها أيضاً. ثم كانت تجربتي في الإمارات من خلال مؤسسة صحفية تصدر مجلة اجتماعية منوعة “حياة الناس” ومجلة ثقافة وتراث شعبي “قطوف” التي كنتِ أنتِ سكرتيرة تحريرها، وتزاملنا لفترة 3 أعوام. وكما تعلمين لم تكن المجلات هناك تختلف عن غيرها من مجلات الدول العربية. لكنها كانت تجربة مقبولة قدمت فيها كل ما يحتاجه العمل. بينما كانت تطلعاتي تخطو باتجاه طريق أخرى.

خذنا نخطو معك لنصل إلى الطريق التي كنت تنشدها ؟

  • دمشق .. كانت دمشق هي الطريق وهي الوصول وهي الكل. وعلى الرغم من أنني انتخبت عام 1998 نقيباً للفنون الجميلة في سوريا، قمت في مطلع عام 2002 بإطلاق مجلة “أبيض وأسود” السياسية؛ التي ترأست تحريرها. وكان العمل فيها متعباً بقدر ما هو ممتع واستمرت بالصدور عشرة أعوام، لكن توقفت بسبب الحرب إذ أن الصحافة ترفد بالاشتراكات والإعلانات، والحرب أوقفت كل ذلك.

إنما وبكل الأحوال، الصحافة عمل مضنٍ وشاق، خاصة في البلاد العربية، فكل ما نسمعه عن حرية الرأي عبارة عن كلام إنشائي وتجميلي –واعذريني كصحافية- لا يوجد صحافة في الدول العربية بمعناها الحقيقي أو المثالي! وبالطبع في الغرب أيضاً هناك معوقات للعمل الصحفي لكنها أقل بكثير من معوقات العمل في  الدول العربية. لن أعود للعمل الصحفي كمهنة مهما كانت الظروف.

نعود إلى الفن التشكيلي، بودي معرفة سبب الحضور الطاغي للمرأة في لوحاتك رائعة التفاصيل التراثية ؟

  • تسكن المرأة أعمالي لأنها تحمل أهم قيمة جمالية في الوجود. أليست الأم جميلة ؟ الأخت، الحبيبة، الزوجة، الابنة، كلهُّن يزدن الحياة جمالاً بوجودهن. فكيف إن كانت المرأة ذات حضور متميز. بالطبع أنا لا أتحدث عن الجمال الشكلي فقط. أتحدث عن الجمال الكلي.

صوّرت الكلمات بالرسم في لوحاتك “القصيدة الدمشقية” في محاكاة للشاعر الكبير نزار قباني، لماذا لم تعرض -إن كنت قد اسكتملتها- سلسلة اللوحات ؟

  • لوحات “القصيدة الدمشقية” للشاعر نزار قباني كان حلماً لي أن أستطيع الوصول من خلال الرسم إلى جماليات القصيدة أو لنقل إلى بعض جمالياتها. فكما أصدر الشاعر الكبير ديوانه “الرسم بالكلمات” أجد أنه من الممتع أن أصور الكلمات بالرسم. للأسف لم تكتمل اللوحات إلى الآن، فالقصيدة طويلة ولم أنجز إلاّ خمس لوحات منها. لكنه مشروع أعمل عليه وقد أصدر كتاباً يجمع تلك اللوحات، وأعرضها في معرض خاص.

لا أدري! أظن أنه كان لديك محاولة مشابهة، هل ظني في محله ؟

  • هذا مشروع قديم جداً .. فقد سبق لي في عام 1991 أن رسمت معلقة عنترة العبسي “أعياك رسم الدار لم يتكلم .. حتى تكلم كالأصم الأعجم”.

اعتاد متابعوك على مشاهدة لوحات تحمل لون الأرض والتراث وكل ما هو أصيل معتّق، لماذا غابت الألوان من لوحاتك، كما لو أن لذلك دلالة ما ؟

  • أنا لم أهرب من اللون، بل هو من هجرني وجعلني أرسم بالأسود والأبيض في هذا الوقت! وبصراحة منذ قيام الحرب في سوريا لم أعد أرى ما يجذبني إلى اللون كما في السابق. وفي كل الأحوال فاللون الأسود هو من المجموعة اللونية، ولا أدري مستقبلاً إن كنت سأعود إلى مجموعتي اللونية أم لا! هذا لا أستطيع تقريره لأنه يتعلق بالمزاج وليس بالقرار.

اعذرني، الألوان عالم جميل .. ألا ترى أن تغييب الألوان يذهب ببعض جمال فكرة اللوحة ؟

  • الحقيقة لي وجهة نظر خاصة في تكوين اللوحة، فالجمال غير كافٍ، وكنت وما زلت أردد أن اللوحة التي لا تحمل موضوعاً تشبه الممثلة الجميلة التي تقف على خشبة المسرح وهي لا تمتلك نصاً مسرحياً، سيملّ منها الجمهور بعد لحظات. اللوحة فكرة، موضوع، جمال، وجهد إنساني، وفي النهاية هي موقف. هي ما يريد قوله الفنان ويستطيع إيصاله للمتلقي.

أسست مدرسة فنية مقوماتها الثقافة والفكر، وفعّلت دور التشكيل وكرّست تفاصيل التراث والأساطير وشكّلت لوحاتك أيقونات لونية خالدة، لمن ستترك عالم الريشات والألوان ؟

  • هناك إبداعات رائعة، تواصل وتستلم منا الراية كما استلمناها ممن كانوا قبلنا. ولأن كل منا وضع بصمته وعكس مفاهيمه الفنية ورؤاه من خلال لوحاته، سيفعل غيرنا هذا، ويحافظوا على إبداعاتهم وعلى الفن التشكيلي، والأهم أن نحافظ على سوريا. فالحفاظ عليها هو حفاظ على الثقافة والفكر والفن، والإنسان.

يبدو لي أنك غيرت في اهتماماتك الفنية، واتجهت إلى كتابة الدراما التلفزيونية ؟

  • لا أرى أنني غيرت أو انتقلت إلى نوع جديد من الفن من خلال كتابة الدراما، فالفن واحد وتختلف وسائل التعبير عنه، وهناك فنان يمتلك أكثر من وسيلة للتعبير، كالرسم والموسيقى والكتابة الدرامية. أنجزت مسلسلات نالت الإعجاب، فلم أحجبها عن طالبها.

شاهدنا لك قبل أعوام مسلسلاً مهماً من كتابتك وتأليفك “حارة المشرقة” وبطولة النجوم أسعد فضة وسلاف فواخرجي. لكن رغم أهمية أفكاره وطرحه، هل تتوقع أنه تعرض للظلم ؟

  • مسلسلي “حارة المشرقة” لم ينل حظه من العرض وظُلم بسبب انقطاع الكهرباء والتقنين القاسي في عام 2015 وأنا شخصياً لم أستطع متابعته على شاشات التلفزيون العربية بسبب التقنين، ولم أشاهده كاملاً إلاّ بعد أن توفره على الـ”يوتيوب” ينطبق هذا على مسلسلي الإذاعي “شلة العمر” أيضاً.

هل من جديد على صعيد الكتابة الدرامية ؟

أنهيت من شهر نصاً اجتماعياً جديداً عنوانه “لعنة الأنا” يتحدث عن الأنانية المفرطة والكسب غير المشروع والمتاجرة بالأهداف النبيلة إلخ .. يرصد مشكلات اجتماعية نعيشها وتؤثر على حياتنا اليومية، تتخلله النكتة والمرح أحياناً. لكنني ما زلت في طور الحوار مع المنتج. كما أعكف الآن على كتابة نص اجتماعي أيضاً بعنوان “فرح”. والفرح هو ما أتمناه لأسرة “الوسط” وشكرها على منبركم الوطني الجميل.

إضاءات من سيرته االذاتية :

  • نقيب الفنون الجميلة في الجمهورية العربية السورية 1998 .
  • مدير دار الأولى للنشر والتوزيع 2001 .
  • رئيس تحرير مجلة أبيض وأسود الأسبوعية السياسية السورية عام 2002 .
  • عضو مجلس أمناء دار الأسد للثقافة والفنون لدورتين متتاليتين .
  • أقام معارض فردية وجماعية داخل وخارج القطر .
  • حائز على جوائز أولى في تصميم بعض الأوسمة العسكرية للجيش والقوات المسلحة .
  • صمم لوحات التوضع الأرضي لدورة البحر الأبيض المتوسط- اللاذقية .
  • صمم عدداً كبيراً من أغلفة  الكتب والمجلات السورية واللبنانية .
  • أقام معرضاً وثائقياً في دار الأوبرا حوى 400 وثيقة تاريخية عن فلسطين .
  • متفرغ حالياً للرسم والكتابة الدرامية .
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق