إضاءات

“أهل أوّل ما تركوا شي ما قالوه” .. تكريس مجتمعات ذكورية على ظهر الأمثال السورية .. مـالك مـعـتـوق ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

في عالمنا العربي إذا لم تتزوج الفتاة “بارت وعنست” .. وإن تزوجت “شو لسا ما حبلت” ؟ ، وإذا ما انجبت بنتاً “يالله معلش بلكي البطن الجاي ولد” .. وإن أنجبت صبياً “يلا شدي حيلك وجيبيلُه أخ” .. وإذا لا سمح الله طلَّقها زوجها فهي “معيوبه” .. وإذا ترمَّلت فأكيد “منحوسه” .. واذا تزوجت مجدداً بعد طلاقها أو موت زوجها فأقل كلمة تقال في حقها “لعمى شو قلة هالحيا!؟” ، وإن ماتت “بتكون أخذت الشر وراحت”..

“أهل أوّل ما تركوا شي ما قالوه” .. فلا جدال ولا نقاش في ما قاله “أهل أول”، فما قالوه مُسَلَّمات ، عليها نقيس وفي ظلها لا بد أن نعيش.

“أهل أوّل ما تركوا شي ما قالوه” ، عبارةٌ خطيرة تشكل ركيزة ومستنداً للكثيرين، رجال دين ، سياسيين ، قَبَليين وعامة السوريين يبررون بها مواقفهم ، ويُسوِقون بها لصواب رأيهم, عبارةٌ تُكرس فكر النقل لا العقل ، وتعكس سلوكيات التبعية العمياء، ومع أن المثل يقول إن دوام الحال من المحال ، إلا أن أصحاب عبارة “أهل أوّل ما تركوا شي ما قالوه” يعملون كي تظل دار لقمان على حالها.

“أهل أوّل ما تركوا شي ما قالوه” ، عبارةٌ تُخفي في طياتها تخلُفاً متلفعاً بالأخلاق المزيفة مرة ، وبادعاءات احترام الأولين السابقين مرة، وبالخوف على الهُوية مرة أخرى ، مبرراتٌ يستتر في ثنياتها كثيرون ممن يرون في التقدم عدوهم، ويتخفى بلباسها كثيرون ممن يرون في المستقبل غريمهم.

كثرٌ هم من يترحمون على “أيام زمان”, أيام الزمن الجميل, لكن الماضي ليس بكُلِّه نظيف اليد وأبيض القلب، وليس كل ما لاكته ألسنة “أهل أول” من كلمات يرِدُ من شجرة الحكمة ، أو ينبع من عرجون الفلسفة, فالتاريخ قريباً كان أم بعيد هو فعل ماضٍ انتهى، فحتى لا يبقى مجتمعنا يعيش ماضٍ مستمراً لا ينتهي ، لا بد أن نعيش حاضرنا ، ونؤسس لمستقبلنا, فالمجتمع الذي يريد أن يعيش الحاضر ويؤسس للمستقبل لا بد له أن يعرف كيف يصفّي حسابات الماضي، حتى لا يصبح هذا الماضي جثةً متعفنةً يحملها المجتمع على ظهره ، وقدراً يُدفن ابن الانسان تحت ثراه ، ويحرقه بزفير نار العادات والتقاليد ومقولات  “أهل أول” ..

قيل إن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة, وخطوة السوريين الأولى نحو المستقبل قراءة الماضي “سمينُه وغثُّه وجيدُه ورثُّه” ، ونقده بجرأة بعيداً عن تقديس النص ، والحنين الى الماضي، فقد ولَّى زمن الوقوف على الأطلال.

نعم ، إن الكثير قد أصبح في طيات الماضي إلا أن هذا الكثير ليس إلا نقطة فقط, ذرة ضئيلة بالمقارنة مع موروث الجدود الأقدمين حتى الآسن منه , فالعرب عموما ومنهم السوريين شديدو التعلق بأستار الماضي تعلقاً يصل في بعض حدوده درجة المرض, فماضينا حاضر في الحاضر, ومتشبث بأهداب المستقبل, يخترق القيود والحدود والأزمنة والأجيال دون نقد ودون غربلة, فيتحول الماضي مع تعلق المجتمع به الى معيق للتقدم نفقد فيه ومعه البوصلة الى المستقبل .

المجتمع السوري لا يزال يُثمر ويستثمر ويتشبث ويستشهد بالماضي وبتراثه الشعبي “سمينُه وغثُّه وجيدُه ورثُّه” ، شعراً ، نثراً ، أمثالاً ، حكمةً ، أغنيةً ، حكايةً ، ملحمةً وسيرةً ، على أنه روح الحياة وروح المجتمع ، ونصوصه تحمل هالة من القدسية، لأن “أهل أوّل قالوها” و”أهل أول” فوق مستوى النقد والانتقاد، وخطورة بعض نصوص الماضي أنها نصوص شفوية وقوانين عرفية موروثة ، ونُظم ثقافية واجتماعية، غير مكتوبة حتى يتدخل فيها الإنسان ويغيرها, ففي القوانين المدنية يمكن القول إن المحامي يقول البند التالي من المادة كذا، إنما في الأمثال الشعبية يستند المتكلم إلى مثل وكأنه بند قانوني، إذاً هو عُرفياً نوع من القوانين الاجتماعية, رغم ان كثير من الأمثال صنعها عدو ، وأخرى صنعها الجهل، ومن تلك الأمثال وأخطرها المثل القائل: “إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب”، الأمر الذي حول المجتمعات إلى شبه غابة.

هذه النصوص الشفوية هي خلاصة تجربة في الحياة، تجربة إنسانية تصبح إرثاً ينتقل من منطقة لأخرى ، ويأخذ قالب اللهجة, ويمثّل حضوراً كبيراً ومؤثراً في الذاكرة اليومية الجمعية والفردية من خلال الشعر والأمثال الشعبية والحكم المرتبطة بطقوس العمل اليومي، التي هي انعكاس للثقافة الاجتماعية السائدة بتجلياتها المختلفة.

وبرغم أن هناك كثير من المقولات الشعبية، ومن بينها الأمثال، ما يقول الحقيقة التي تصلح لكل زمان ومكان، وبعضها يشير إلى طموح لمستقبل، بمعنى أن التعبير الشعبي ليس جامداً، ولا يمت للماضي فحسب، وإنما يمكن أن يكون صالحا للتعبير عن روح الجماعة في كل زمان, غير أن  كثرٌ ممن يستشهدون بـ”أهل أوّل ما تركوا شي ما قالوه” يستخدمونها كسلاح، كمتكئ يستندون عليه للإقناع وإضفاء الصدقية والمصداقية على ما يقولون, فموضوع الأمثال الشعبية كان ولازال فاعلاً بقوة في المجتمعات العربية.

وبحجة الدفاع عن فكرة احترام الماضي يُحول أصحاب عبارة “أهل أوّل ما تركوا شي ما قالوه” الماضي إلى مُقدس, برغم ما يحمله الماضي من نصوص تمثل اعتداءً فاضحا على كثيرٍ من القيم الإنسانية ولا تزال هذه النصوص والأمثال التي يحتفظ بها التراث الشعبي متداولة بين العامة، ويتم الاستشهاد بها في العديد من المواقع، ولعل المثال الصارخ يتجلى في ما تدعو إليه هذه النصوص من تحريض وعدوان على المرأة.

فالموروث الشعبي يحتفظ بالكثير الكثير من الأمثال الشعبية التي تصور المرأة شيطاناً، وتراها  ناقصةَ دين وعقل ، وتعتبرها “ماكينةً للتفريخ” والانجاب والتربية ، وجسداً للمتعة ، وخادمةً في المجتمع الذكوري, وتحضر هذه النصوص والأمثال بقوة في أحاديثنا اليومية ، والأخطر من ذلك أن هذه النصوص تخترق العَوَام لتتجاوزهم إلى النُخَب، والأشد خطورة أن روح وفلسفة الموروث الشعبي حاضرة في كتبنا المدرسية وقصص الأطفال والمسلسلات والأفلام بل تنفذ إلى الكتابة الإبداعية الحداثوية والمعاصرة من خلال شخصيات “أهل أوّل ما تركوا شي ما قالوه”، وهي شخصيات صوتها مسموع على اعتبار أنها لا تنطق عن الهوى فهي صوت “أهل أول”.

وتصبغ الأمثال الشعبية الأنثى بصفات معينة، فهي كثيرة الكلام “لسان البنت متل شعرها كل فترة بدو قص”، وهي خبيثة كالشيطان “حطو المرا وإبليس بالكيس طلع إبليس من الكيس عم يستغيث”، و”كيد النسا مين قدو لو مال عالحيط بيهدو”, وهي شرٌ لابد منه وفوق كل هذا “هم البنات للممات”.

وفي سورية يتم تناقل أمثال كثيرة كتلك التي تقول: “يا بسترها يا بقبرها”، و”البنت بتجيب العار والمعيار وبتدخل العدو الدار” وعن المرأة العاقر، التي لا تلد عندما يُعرض على زوجها أن يتزوج بامرأة غيرها وأن يطلقها، يُقال “الشجرة التي لا تثمر قطعها حلال”

عبارات ظلت ولقرون طويلة تلعب دور القوانين الخفية التي تقف وراء الكثير من المواقف والأحكام المسبقة تجاه المرأة، الأمر الذي عمل على تكريس صورة نمطية سلبية عن شخصية المرأة، انطلاقاً من اعتبارها “موت البنات من المكرمات”، وقولها “صبي مجنون ولا فتاة ختون”، وإن ماتت أختك انستر عرضك، وإن مات أخوك انكسر ظهرك، ومن ثم تكون الأمثال قد أدت دوراً اجتماعياً كان له أثره في تهميش المرأة وتقسيم الأدوار بين الرجال والنساء في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بطريقة تحصر المرأة في دوائر الكيد والتحايل والتمركز حول الجسد و الرجل، فالتي يحبها زوجها تطلع عليها الشمس، وتكرس بالمقابل سيادة الذكورة على مجالات الحياة الهامة، ولا تكتفي تلك المرجعية الاجتماعية الصامتة الكامنة وراء الكثير من أنماط السلوك التي يعتمدها المجتمع تجاه المرأة بذلك، لكنها تصل إلى حد إقصاء المرأة كذات لتجعل منها موضوعاً جنسياً بحتاً عليه عبء حماية الشرف وحمل عرض العائلة والأسرة، بعيداً عن كونها كياناً إنسانياً قائماً بكل مركباته المتعددة، ومن ثم فهي تستخف بكل ما يمكن أن يرمز فيها إلى التفكير أو العقلانية، ولهذا تؤكد أنه “يا ويل من أعطى سره لمرته”.

الصورة المشوهة للمرأة في الثقافة والأمثال الشعبية موضوع شاسع وواسع ، إلا أن فوقية الرجل ودونية المرأة في المجتمع من منطلق قوة الذكر وضعف الأنثى، وربط المرأة بعنوان الخطيئة والكرامة الاجتماعية العرض والأرض والشرف مِثل مَثل “دلل ابنك بيغنيك ودلل بنتك بتخزيك” ، هو تناقض صارخ بين واقع العجز عن تحرير الأرض والإنسان العربي واستمرارية ثقافة الهزيمة ، وبين استعباد المرأة على يد الرجل المهزوم سياسياً وحضارياً من جهة والمأزوم اجتماعياً وثقافياً من جهة ثانية، فالمجتمع الذكوري يشجّع هذه الثقافة الشعبية المعادية للمرأة وحريتها، ويعمل بوعي أو بلا وعي على تفريخها ونشرها وحمايتها والاحتفاء بها، لأن في وجودها يحفظ تناسخه وتناسله الإيديولوجي والاجتماعي والجمالي، وبالتالي تعكس الأمثال العربية أزمة مجتمع يُصدر فيه الرجل حالة الهزيمة والجهل من خلال اضطهاد المرأة وتشويه صورتها ، رغم أن وعي المرأة ونهضتها يشكل أهم ركيزة في تطور وتحرر المجتمع.

لكن المشكلة الكبرى هي أن النساء هن عدوات أنفسهن ، فهنَّ أكثر من يتداول هذه الأمثال ، والمرأة بكل أسف ساهمت في تكريس هذا النمط من الأمثال، حتى ولو كان ذلك على حساب بنات جنسها.

فكلما غابت الثقافة التنويرية تفاقمت وتكرست الثقافة التراثية المتخلّفة، وسَهُلت مهمة التحكم في أفرادها, بالطبع ما من شك في أن الموروث الشعبي فيه من العناصر الإيجابية ما هو قادر على شحذ الوعي الجماعي بشكل كبير، لكنها ايجابيات مطارَدَة ومُقصاة من قبل أصحاب مقولة “أهل أوّل ما تركوا شي ما قالوه” الذين يحاولون الترويج للثقافة الشعبية (الأمثال والحكم) الداعية إلى فِكر الطاعة دون نقد، ودون فهم، ولذا فالطاعة القائمة على الثقافة الشعبية تنتج مجتمعاً مشكلاً من مسوخ بشرية معطوبة فكرياً .. والله اعلم.

صحافي وكاتب – سوريا 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق