إضاءاتالعناوين الرئيسية

أنفلونزا الحمير .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

.

أقلقت العالم في السنوات الأخيرة أمراض شتى، اتُهمت بنشرها حيوانات مختلفة، عاشبة وأليفة وداجنة، متسببة بالعديد من الكوارث الصحية، مع أن التاريخ لم يذكر شيئاً عن حوادث كهذه، سوى تلك المواجهات التي اندلعت، وما زال بعضها يندلع كل يوم بين البشر وبعض الحيوانات غير الأليفة، كتسبب الجرذان مثلاً في وباء الطاعون، أو كنقل الكلاب المريضة لداء الكلب. أما المراجع العلمية فلم يسبق لها أن نشرت أي ورقة علمية مثلاً عن التشابه ما بين “شفاتير” الجمل والشفاه المنفوخة بالسيليكون، أو أن كتاب غينيس قد سبق وأن سجل رقماً عالمياً في إنتاج الحليب تنافست عليه بقرة حلوب مع امرأة مرضع، كذلك فإن البشرية لم تشهد في سالف الأزمان صراعاً فكرياً أو ثقافياً كان قد جرى بين مفكرٍ وحمار على منبر أحد المراكز الثقافية.لا بل على العكس، لقد كانت العلاقات بين الطرفين دائماً على حساب تلك الحيوانات الضعيفة الأليفة، التي استعمرها الإنسان منذ الخليقة جسماً ورأساً، فتعامل معها بساديةٍ لا مثيل لفظاعتها، فقطع رؤوسها، وكهربها، وخصاها، وسلخ جلودها، وعلق لحومها على أسياخ “الشاورما”، لا بل شرب دماءها، وفقأ عيونها، وحطم جماجمها، و”مصمص مقادمها”، وأسال دهنها، ثم ترك بقاياها لغيرها من الحيوانات اللاحمة كالقطط والكلاب، أو القارضة كالجرذان. مع كل ذلك بقيت تلك الكائنات المقهورة وفّية لمجتمع الإنسان.

فها هي البقرات ما تفتأ كل يوم تسقينا من عصير أثدائها حليباً طيباً لذة للشاربين. والثيران، نجبرها بقسوة على حرث أراضينا، من دون أن نسمح لها بالتأفف أو الكلل أو الملل. أما العجول، فنتفنن في أكل لحمها مقلياً، أو مشوياً، أو مطبوخا، ثم نعود لنتهمها بعد كل ذلك بأشياء وأشياء، إلى أن يصل بنا الاتهام لوصفها بالجنون.

أما “الصيصان”، ما إن يمر على فقسها خمسون يوماً حتى نستقبل ذكورها بسكاكين حادة لامعة، من دون أي رحمة أو شفقة، لا تدعهم المسالخ الصدئة ليفرحوا حتى بأعرافهم الجديدة، ولا تأسى أبداً على مراهقتهم، ولا تتركهم ولو لحظة واحدة لينفردوا بصديقاتهم، أو بعشيقاتهم الدجاجات، حتى أنهم نسوا كل شيء عن ذكورتهم، ثم أخيراً وبعد كل هذه التضحيات نتهم معاشر الدجاج بإفشاء عدوى الزكام.

وها هي الخنازير، تزرب مكدّسة في حظائر كالزنزانات، بلا أي تهوية أو نظافة، وتُحدُّ حركتها لإجبارها على التزاوج ليل نهار، أملاً بولادة العشرات منها، ثم خلال لحظة واحدة نعدمها بصواعق الكهرباء، وبعد كل ذلك نشتكي من قذارتها، ومن لؤمها، ومن عدائها لنا، لنتهمها بعد ذلك بأنها سبب مرضنا بالأنفلونزا.

كلا، بل نحن البشر الأشرار، الذين خرَبنا دورة حياة هذه الحيوانات البريئة. نعم، نحن من سبَب لها، ولنا الأمراض. لقد أطعمناها بقايا عظمها ولحمها وجيفها، قتلنا شوقها للحقول وللبراري، فتكاثرت قسراً عنها، ثم أدخلنا على حياتها الكهرباء، فلم تعد تنام أبداً. حلبناها “بالماكينات”، وحقناها بالهرمونات، وخلطنا علفها بالمضادات الحيوية والفيتامينات، إلى أن صرنا نسمع الأخبار تتحدث كل يوم عن أمراض وافدة نقلتها تلك الحيوانات البريئة كالسارس، والجمرة الخبيثة، وجنون البقر، وأنفلونزا الطيور، والخنازير، ولعلنا سنشهد قريباً أمراضاً جديدة كبواسير الضفادع، وبروستات الجمال، وليس آخراً إنفلونزا الحمير.

قلت مرة لصاحبي: وا صاحباه، لعل أمراض السارس، وجنون البقر، وأنفلونزا الخنازير، لم تقتل سوى القليل القليل من الأشخاص ضعيفي المناعة في بلادنا، لا بل ربما أقل ممن يُقتل في حوادث الطرقات خلال يوم واحد، فلماذا أصابت تلك الأخبار الناس بكل هذا الذعر والهلع؟، ماذا لو كانت هذه الجائحة هي أنفلونزا الحمير؟، فكم عدد الذين ستفتك بهم يا ترى؟

أرجو أن لا يذهب فكركم بعيداً، أو أن يتهمني أحد – لا سمح الله- بالعداء للحمير، لكنني خشيت فعلاً من جائحة كهذه أن تصيبنا نحن البشر، وذلك بعد أن قرأت في أحد مواقع الشابكة “الإنترنت” أن لحم الحمير قد أصبح في أحد المطاعم بديلاً عن اللحم الضأن ممدداً على أسياخ “الشاورما”.

مع ذلك فإنني أستبعد حدوث كارثة كهذه، ناجمة عن أنفلونزا الحمير، لأنني وبحكم اختصاصي في الصيدلة، أؤمن بعلم المناعة، كذلك فقد قرأت كثيراً عن قدرة الحمير البيولوجية، وحصانتها ضد مختلف الأمراض الجرثومية والفطرية والفيروسية.

.

*(أديب كاتب، وزير التعليم السابق- سورية)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق