العناوين الرئيسيةحرف و لون

“أنا والـ هؤلاء” .. أحمد خطيبوس

لوحة: محي الدين حمصي

 

|| Midline-news || – الوسط
.


“محشي كرنب”

 أمس مساء رأيت أحدهم . عفوًا، إحداهن! انتهيت من عملي على الضفة الغربية للنهر، وحملتُ حقيبتي شبه الخاوية وعدتُ أدراجي قاصدا سكني القائم غير بعيد من الضفة الأخرى. على الجسر الممتد فوق صفحة النهر الذي يطيب لي كما لا شيء أكثر، عبورُه في الصباح والمساء، خطرتْ لي فكرة، راقت لي كثيرا. أحسستها رسالة حملتها لي الأمواج من بعيد، حيث قريتي في قلب الدلتا. “هذا الشتاء، الذي زادت لسْعَتَه نسائمُ المياه فوق الجسر الطويل، يحتاج إلى طبق محشي كرنب ملتهب”..

يا الله! إذًا، فلأعرّجْ على القاهرة الخديوية غير بعيد حيث مطعمي المفضّل- النجاح. على مسافة خطوات تفصلني من مدخل المطعم، استرعاني منظر في الجهة المقابلة له حيث بهو أمامي لإحدى دور السينما القديمة. المكان سياحي بامتياز يؤمه الغاوون لكل ما يباع سواء للشراء أو الفُرجة. لكن ما استرعى انتباهي هذه المرة كان فعلا يستحق النظر. أربعة من الشباب يتحلّقون حول فتاة ممشوقة القوام تلبس “ميكرو جيب” في هذا الشتاء القارس! ربما كانت أوروبية. ولما عاودتُ الكرّة بعيني وقعت على ما أتّقي الوقوع عليه. الفتاة الممشوقة طويلة الشعر الأصفر الأجعد المفتول في ضفائر كثيرة رفيعة … لا تشبه النساء.

حسنٌ فلأحاولْ ثانيةً.. بدأتُ من النهاية. من أسفل. الساق ذات عرقوب بارز غليظ. السمّانة لا تكاد تكون موجودة. ومثلها ما يعلوها. يباب فوق يباب. وعندما صعّدتُ ناظري المتعِسي أبدًا وصولا إلى الصدر، لم أتعثر فوق فيما لم أتعثر فيه أسفل. أيّ ضياع! كانت تلبس “ميكروجيب” أزرق فاقعٌ لونه، وجزمة كعبها أحمر فاقع اللون. وصلت إلى الصدر الذي كانت تحيط به أو على الأصوب تحجبه نهاية “الميكروجيب”. أما الكتف والرقبة فكانا عاريين إلا من الإكسسوار. كان المكشوف يقسم بالشيطان أن في الأمر شيئا.

بدأ الاضطراب يدق باب دمي. تقدمت إلى عمّ إبراهيم الجالس وراء الخزينة عند فم المطعم كعادته منذ عرفت المكان قبل نحو تسع سنوات. كان مشغولا بتسجيل طلبات السِفَري كما يسمونها وهي تلك التي تُرسَل للزبائن خارج المطعم. وهو إلى جانب هذه المهمة يتقاضى من الزبائن لدى خروجهم ثمن ما طعموا ويضعه في الخزنة من أمامه. ولا يفصل فاصلٌ غير بضعة أمتار هي عُرض الشارع بين مجلس عم إبراهيم وبهو السينما القديمة حيث يتحلق الشبان بفتاة الميكروجيب الغريبة. حسنٌ. بعد أن حيّيتُ عم إبراهيم، كان هذا الحوار:
– ايه دا؟ دكر دا ولا انتاية؟
= (بلا تردد) لا، دكر.
– أنا كمان مش مصدق! واضح انه بيظهر هنا كتيير!
=أشكال وسخة. ربنا يتوب علينا يا أستاذ.
وهنا رأيت هذا الجمع المحتفل يعبر الشارع قاصدًا المطعم. كانت تتقدم المتحرشين في زهو المنتصرين. باتتْ منّي على مسافة ذراع، فشِبرْ، ففُتْرْ؛ ذلك أني كنت أسُدُّ مدخل المطعم إلى جوار مكتب الخزينة الذي يجلس عليه مخاطبي. كنتُ مصرًّا على التحديق في عين الجحيم في محاولة مستميتة لاكتناه ما استطعت إليه سبيلا. كانت تلبس عدسات زرقاء فاقعة بلون “الميكروجيب”. يا إلهي كيف تكون عينا الشيطان أكثر إخافة مما رأيت؟! كان يجب أن أفسح الطريق أمام الجمع الملعون ليدخل مطعم النجاح. في دوّامة شعور بالغثيان، وقد بلغ مني الاضطراب مبلغا، أنقذني صوتُ العامل الصغير ينادي عمّ إبراهيم معلنًا الانتهاء من تجهيز طلب السِفَري المحشي كرنب. تلقفتُ الطبق ودسسته في حقيبتي وفررتُ كالبرق من المكان صوب مسكني غير بعيد في حي الملوك عابدين.
.


*صحفي ومترجم وكاتب من مصر
*اللوحة للفنان التشكيلي محي الدين حمصي- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى