إضاءاتالعناوين الرئيسية

“أنا مبسوط” .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط
.

عابراً طريقي كعادتي، وأنا ساهم في أفكاري، ليتني كمثل المرحوم عبد الحليم حافظ الذي غنى: أبصرت طريقاً أمامي فمشيت، أو كحال الشاعر الإيطالي أنطونيو ماتشادو الذي رأى أن الطريق من تقود أقدامنا عندما نسير!

وكي لا أخرج عن نصي المرصود وتأسرني اللغة كعادتها بشغفها وتوقها وزواياها المدوّرة بلغة أهل السياسة والأفكار (اللوجستية)، سأسارع للعودة إلى البداية، ولا تذهبوا بعيداً.
عابراً طريقي، وذات مصادفة سمعت رجلاً يغني في الشارع، وعلى الأرجح أنه كان يمكنني متابعة الطريق والتماس سيل من الأعذار، ومنها: أن حجم الضغوط النفسية تحمل إنساننا على الغناء أو البكاء، أو الرقص، فلا عجب أن ترى في الشارع ألواناً من التعبير ترقى للدهشة أحياناً، على ألسنة كثير من الناس الطيبين من يمرون بنا كمجاز جميل.

ثمة جملة واحدة نطق بها الرجل، وعلى ما يبدو أنها كانت إجابة عمن سأله: لماذا تغني بصوت مرتفع؟!
قال الرجل بصوت عال: أنا مبسوط. لحظتئذ، التفتُّ فأنا مسكون بتتبع مفارقات زمننا، وتنكب ثنائياته وتناقضاته، خلت أن ذلك الرجل، هو كائن لا تحتمل خفته، وأن الأمر لا يعدو كونه مزحة فحسب!
لكنه واصل جملته: أنا مبسوط يا ناس.. ولتواتر جملته وإيقاعها، انعطفت أفكاري، حقاً لم لا يكون هذا الرجل مبسوطاً لشيء يخص روحه، أو لحظته، فإن يعلن (بسطه) على هذا النحو أو ذاك، فذلك محض حرية شخصية، فهو سعيد ولكن على طريقته التي حملتني على الذهاب في أثير صوته، لأقبض على طرائد الصدى، وكأني بالطريق قد أصبح صفحة مفتوحة قادني إليها عنوان مكشوف لكنه جذاب، وربما يغري أو يشي بتأويل ما. فعلى أقصى يمين الشارع، ينام رجل ما يفترش الأرض ويلتحف السماء كما يقولون، ورويداً رويداً تفاجئك صبية في مقتبل عمرها بسؤال هامس: عرفت أن محلاً للحلويات سيتم افتتاحه، قالوا في نهاية هذا الشارع، هل هذا صحيح؟ واستطردت: عفواً ليس بقصد الشراء ولكن لأتذوق مما يقدمونه لنا في الافتتاح كما جرت العادة! لا بد من تغيير طعم أيامنا.

 على الأرجح أن العجوزين اللذين أغرياني بمتابعة حديثهما الشيق، ليس في عودة الشيخ إلى صباه، بل في محاولة تذكرهما كزوجين أين التقيا لأول مرة، ليستعيدا زمناً كانت السعادة فيه، لفرط توفرها أصبحت عادة وليست استثناء، كانت السعادة مرايا ليقرأ فيها البشر وجوههم وأسماءهم وأفكارهم وحرارة دمائهم، كانت قصيدة بتوقيع الناس، قصيدة جمعية، ولم تكن خدعة من خداع الفراغ!
أنا مبسوط، عادت الجملة ذاتها لتختبر قدرتي على تأويل سعادة هاربة والتقاطها من (مغامرة معرفية) لما يتسرب إلى سمعي من كلمات لم تُلْقَ في الطريق عبثاً، ولو أنها تضمر آلاماً وأحزاناً مقيمة، إذ لا تسير الحياة وحيدة، لا يسير الموت وحيداً، فهل يسيران متعانقين، متشابكين، فقط ثمة خيط رفيع يؤلف بينهما، فمن يشده إليه أكثر ومن يستمرئ اللعبة وقد اتضحت قواعدها؟ يهرع كثيرون لرسام الطريق، يريدون رسم وجوههم بلا قساوة، أو أبعاد درامية، ودون ما تفكر به الوجوه ذاتها، ولا بأس بترك الثغور باسمة وكأنها تنطق بكلمات ما، وبضحكة تستبقي شمس نهار آفل، ذلك أن الثغور والأفواه المطبقة، ثمة من رآها ضرباً من العنف الرمزي، وحبس بهجة ربما تبوح بها الصدور. حتى صنابير المياه التي وضعت لإرواء عطش العابرين، والتي يتلقفها الناس بأيديهم، فيقعون على خصوصية الماء والاتصال به قبل أن يجد طريقه لأفواههم، اختفت، بمعنى بثها لسعادة ضمنية لاتعادلها سعادة أخرى، ومن كان يجمع الناس للموائد المفتوحة في الشارع لم يقصد إطعامهم فحسب، وأظنه ذهب إلى أن تتصل قلوبهم بعضاً بعضاً، وهكذا..

داخل السياق..
قبل أن أسمع جملة أنا مبسوط، بين يديّ كتاب بعنوان: (السعادة موجز تاريخي) ومؤلفه هو (نيكولاس وايت) الذي يحاول تحديد معنى السعادة بردّها إلى نطاق التفكير الفلسفي وفلاسفته، لا أدري لماذا ترددت بقراءته، فقد انتشرت عدوى (البسط) السعادة، ووددت أن أرى رجلنا مرة أخرى دون أن أعده بإهداء الكتاب، عن قصد كما هو قصده في عبارته: أنا مبسوط..
.

*كاتب وناقد فلسطيني- سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى