رأي

“ألـفـا” الـمـؤلـفـة قـلـوبــهـم ! .. بـشـار جـرار ..

ιι midline-news ιι .. الوسط ..

 

درءاً للشبهات ، أسارع بدايةً للقول بأن الـ “ألفا” هنا لا تعني الأول ، وإنما المُهيمن ، أما المؤلفة قلوبهم الذين أعنيهم في مقالتي فهم معشر من يتبنى أو يقتني الحيوانات الأليفة وبخاصة الكلاب، وأنا منهم ، والـ “هُم” هنا تعود لمن يتبني الكلاب !.

قبل عقد من الزمان، أثمرت جهودنا الأُسرية بإقناع زوجتي باقتناء كلب نزولاً عند رغبة الأولاد. وبين خياري الشراء أو التبني، استقر الأمر عند الخيار الثاني لاعتبارات “إنسانية” بحتة. لنعلم فيما بعد أن حتى هذا الخيار يتفرع إلى اختيارين إما من ملجأ الكلاب والقطط ، والمعروف لسبب ما بــ”المجتمع الإنساني” ، وإما من مالكٍ سابق ، وهذا ما جرى عبر تواصل استغرق بضعة أيام عبر الفيسبوك.

ما هي إلا أسابيع معدودات حتى انجلى الأمر، وتبين لنا أننا شربنا مقلباً كبيراً ، لكن كان قد فات ما فات، فقد تعلّقت قلوبنا بكلبنا الأول التي اتضح أنه نتيجة تكاثر نسلين من الكلاب ، أحدهما من فصيلة صياد والآخر حارس، وهما صفتان لا غُبار عليهما، لكن في مزرعة كبيرة وليس مجرد منزل بحديقتين أمامية وخلفية !.

على أي حال، نالنا الكثير من هذا الاختيار الذي تحول شيئا فشيئا إلى التزام ، فقدر ! ، التخلي عن كلب يملك السيرة الذاتية للسيد “لينك” يعني لا قدر الله تسليمه لمصير محتوم وفق اللوائح وهو “ترقيده في راحة أبدية” والذي يتم عبر حقنة خاصة بالوريد ، طبعاً بالنسبة لنا هذا الموضوع غير قابل للطرح وليس فقط للنقاش، كون الأمر قراراً بالإعدام ، وهي جريمة قتل والعياذ لله .

من الخاص إلى العام، انتقل نقاشنا الأسري إلى الشأن العام في ظل جائحة كورونا المستجد ، الخبر السار كان ارتفاع الطلب على تبني الحيوانات الأليفة جراء إحساس الناس بالوحدة والحاجة لما يرفع المعنويات ويعزز المناعة ويفرح القلب ويدخل المرح إلى الأسر المحاصرة حتى داخل بيوتها خوفا من العدوى باللمس أو العطس!

تحسنت الأحوال في الأسبوعين الماضيين في كثير من الولايات الأميركية، وواظب الناس على ممارسة رياضة المشي يوميا أقله مرتين ، اللافت كان اتخاذ الكثير من الكلاب موقع “الألفا” بمعنى القائد والمهيمن أثناء إجبار مالكيهم ولا أقول مربيهم على الخروج مرتين في الهواء الطلق وإلا كان الثمن باهظا لتوترهم بين عضّ وعواء ونهش في الأثاث وخلافه من الحاجات البيولوجية!

وقد هالني ما عرفت من تفاصيل عالم “المؤلفة قلوبهم” حول محبة الكلاب والقطط كيف يجتمعون عليها ويتفرقون على ما هو أهم وأجل.

لست بحاجة لدراسة سلوكية، نفسية-اجتماعية أو أنثروبولوجية ليتضح حجم الوحدة والانغلاق والتملك والتباهي في اضطراد هذه الظاهرة عالميا وشرق أوسطياً ، صارت “موضة”! ، ولست بحاجة أيضا لدراسة اقتصادية لإظهار أن ما ينفق على تلك الحيوانات الأليفة كفيل بحل مشاكل مزمنة متفاقمة كالمجاعة والتشرد وبخاصة ما يخص منها من الأطفال وكبار السن بمن فيهم المرضى .

في واشنطن كما في كثير من العواصم العالمية تهز مجموعة من يقتني الكلاب والقطط في غالب الأحيان مشاهد المتسولين الذين لا بيت يأويهم ولا أسر تقيلهم من عثرات الزمان ومن بينها البطالة والإدمان.

والغريب أن كل الخلافات السياسية والفكرية، تتلاشى أمام “ألفا” الحيوانات الأليفة ، الكل مثلاً لا يرى ضيراً في قرار إنهاء حياة الكلب على سبيل “الموت الرحيم”، ولا مشكلة أيضاً في قطع أذنابها بعد الإزالة “الجراحية أو الكيميائية” لما يضمن انقطاع النسل لا بل وحتى الرغبة!

والسؤال الكبير الذي نشكر كورونا “كوفيد التاسع عشر” عليه :

هل جعلتنا القطط والكلاب أكثر ألفة وتآلفاً ، أم جعلناها “الألفا” التي قلبت معاييرنا الأخلاقية رأساً على عقب؟.

أتراها صارت ذلك “العجل الذهبي” الذي أدمى قلب كليم الله موسى فكسر الألواح حزناً وأسفاً وغضباً ؟.

لقد جعلنا من أنفسنا آلهة واستبدلنا بشراً “أرحاماً” بكلابٍ وقططٍ في كثير من الأحيان!

ليتنا بعد زوال الجائحة نرجع إلى الله ونكف عن العبث في خلقه وخليقته ، فإن أحببنا إضافة لأُسرنا ، فتلكم آلاف مؤلفة من الأطفال الذين يـتَّـمـتـهـم الحروب بأنواعها، شـمّـروا عن ذراعكم واحتضنوهم أولاً ، ولا بأس بعد ذلك بقطٍ أليف أو كلبٍ حارسٍ أمين ..

بـشـار جـرار .. كاتب ومحلل سياسي – مدرب مع برنامج الدبلوماسية العامة في الخارجية الأميركية ..

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى