العناوين الرئيسيةفضاءات

أغلق كتابه و رحل حزيناً لأن “أمة اقرأ لا تقرأ” ! أبو طلال.. الكتب مهملة على الأرض بينما البضائع فوق الرفوف تلقى العناية

فقد برحيله طلبة الجامعات وسكان دمشق إنساناً طيباً وقارئاً وناصحاً

|| Midline-news || – الوسط …

روعة يونس

 

لم أكن أعرف من اسمه سوى لقبه، وحين قصدته خريف العام الماضي بحثاً عن كتاب. طلبت معرفة اسمه الكامل، رفض! أخبرته أنني سأكتب له إهداءات على كتبي الثلاثة وأقدمها له. فقال: أكرم كلثوم. لكن لا تجلبي لي كتبك حديثة. لتكن النسخ مقروءة مرّت عليها الأصابع، وربما الملاحظات والخربشات.
بعد يومين جلبت له الكتب وفق رغبته. فأهداني كتاباً عن سلمية، معتّق كخوابي النبيذ. ووجدتني أردد له مطلع قصيدة الشاعر خضر عكاري “من سلمية النبع.. من سلمية بدء العشق”. وطفق يكمل القصيدة معي منشياً.
هكذا،عرفت اسم بائع بسطة الكتب المستعملة وغيرها “أكرم كلثوم- أبو طلال” الذي يرفض تسمية زبائنه بغير القراء.

موارد مادية وثقافية

منذ 22 عاماً، كان “أبو طلال” يفترش الرصيف تحت جسر الرئيس بدمشق. يمدّ على “مصطبة خشبية” مئات الكتب. ومع مرور الأعوام بات يرصف الكتب فوق مكتبة صغيرة متآكلة، ترتفع كذلك فوقها الكتب بمختلف أنواعها ومجالات اهتماماتها وسنوات إصدارها. وبعد أعوام أخرى باتت بعض الكتب الجديدة تصطف على سلّم إعلانات معدني يستند إلى الجدار.

كانت الكتب تلبي لأبي طلال حاجتين أساسيتين: المورد المادي ليعيش. والمورد الثقافي- الفكري ليحيا. فالعيش لديه غير الحياة. ولا حياة إلاّ بالثقافة والقراءة في الكتب. ربما لوفرة قراءاته ومطالعاته في شتى أنواع الكتب اختار أن يحيا بينها، مُقدراً قيمة البساطة والتواضع والإنسانية وطيب معاملة الناس.
وفي ذات الوقت “حزيناً” لأن أمة اقرأ لا تقرأ! ولأن الكتب موضوعة على الأرصفة في حين توضع بضائع استهلاكية أقل شأناً وفائدة على الرفوف وتلقى كل عناية واهتمام وتباع بأغلى الأسعار.
كان محباً للقراءة والثقافة إلى حدّ يروى على لسانه أنه حين سقطت خلال الحرب “قذيفة هاون” بالقرب منه، قال إنه سيبقى في مكانه، لعل تسقط قذيفة أخرى، فلا مينة أجمل من الموت بين الكتب!

كتاب ونصيحة وسيجارة

لم تتحقق رغبة أبو طلال الذي توفي يوم أمس عن 62 عاماً.. وسيفتقده طلبة الجامعة كثيراً، سواء في كليات البرامكة أو المزة. كما سيفتقده عشاق الكتب من كل الأماكن. فالرجل لم يكن بائع ورق، بل كتب؛ يُجمع الناعون له: “انه قرأ كل الكتب المعروضة للاقتناء، القديم منها والجديد، واستفاد وأفاد”!
قدّم معلوماته وكل ما عرفه من الكتب، لكل القراء الذين أرادوا اقتناء الكتب. وضع أمامهم اقتراحات وخيارات، فقد كان يرى نفسه كالريح التي تُسيّر أشرعة السفينة، لذا كان يُسيّر القراء ويفيدهم بمعلوماته وعلمه، هو الذي لم يكمل المرحلة الإعدادية من دراسته.
شغفه بالقراءة، لم يدفعه للكتابة! فقد كان الرجل حزيناً لأن ثمة كتّاب كثر وليس هناك من يقرأ (!) وكان يجزم أنه لو كانت شعوبنا تقرأ لما وصلنا إلى مرحلة أمسينا فيها مجتمعات مستهلكة وتتمسك بجهلها ومظاهر خادعة بلا مضمون! وأنه لا يقلّ سوءاً التغير بالمزاج الثقافي لدى الناس، إذ بات معظمهم يتجه إلى القراءة السهلة، بينما كانوا قبل عقدين يميلون إلى قراءة الكتب الفكرية الهادفة!

لا يُعرف الآن مصير مكتبته التي رصفت آجرّ الكتب بنياناً ثقافياً لكثير من الطلبة الذي بنى معهم علاقات طيبة قوامها المودة والنصح، وصادق أبناء دمشق الذين كانوا يرتادون مكتبته ويفترشون الأرض أو كرسي خشبية يرتشفون “المتة” معه، أو كأس شاي. فقد كانت متعته في ثلاث: كتاب ونصيحة وسيجارة.
أياً كان مصير المكتبة، فإن ملايين الناس الذين اقتنوا منه الكتب يرثون فحواها، وذكراه الطيبة، رحمه الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق