دراسات وأبحاث

أردوغان ..الامبريالية الجديدة بنكهة إسلامية (ج3) وأخير – معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى

|| Midline-news || – الوسط …

نقطة التحوّل: “حديقة جيزي” وما يتخطاها

في بادئ الأمر، ووفقاً لأردوغان ووزراء حكومته، اندلعت احتجاجات جيزي في وسط مدينة إسطنبول دون سبب واضح. وفي البداية، كان المحتجّون عبارة عن مجموعات صغيرة من المناهضين للرأسمالية والناشطين البيئيين ذو تأثير محدود في تركيا، وأقل بكثير في إسطنبول. ومع ذلك، ففي 30 أيار 2013، أَدّت حملة قمع شرسة نفذتها الشرطة تجاه هذه المجموعات غير المهمة إلى إطلاق شرارة احتجاجات مدنية حاشدة في العديد من المدن التركية.

وفي غضون ذلك، وفي الوقت الذي كانت فيه أصداء احتجاجات “حديقة جيزي” لا تزال تتردد – ولو بوتيرة أقل في تركيا – رسمت الإطاحة بحليف أردوغان وزميله الإسلاموي مرسي، مساراً جديداً لأردوغان وتركيا في الشرق الأوسط. فعلى الرغم من سحق احتجاجات “حديقة جيزي”، إلّا أن خطوات أردوغان ما بعد صيف عام 2013 أشارت إلى أنه كان يخشى أن يلقى مصير مرسي. وهكذا، أدت تلك الاحتجاجات – إلى جانب الإطاحة بمرسي – إلى أن يصبح أكثر استبدادية في سحق أي احتجاجات مماثلة خشي أن تؤدي إلى الإطاحة به في المستقبل. ومحلياً، عزّز هذا القرار الانحطاط الديمقراطي في تركيا. وأصبحت مضايقة أعضاء المعارضة ووسائل الإعلام التابعة لها أكثر شيوعاً، فضلاً عن التدخل السياسي في العملية القضائية. وفي عام 2015، قدّم تجدّد أعمال العنف التي أطلقها«حزب العمال الكردستاني» ضد الحكومة التركية في جنوب شرق البلاد، سبباً لأردوغان لقمع المعارضة الأوسع نطاقاً التي واجهها بما يتعدى قواعد أتباع غولن والموالين لـ «حزب العمال الكردستاني». فضلاً عن ذلك، كان يعني فشل الانقلاب المنظم في 15 تموز 2016 ضدّ أردوغان من قبل قطاعات من “القوات المسلحة التركية” بدعم من أتباع غولن المناهضين لأردوغان، أن هذا الأخير وحكومته أصبحوا أكثر جرأة في قمع المعارضين في البلاد.

ولسنوات، أجاد أردوغان قراءة روح العصر العالمية والرد عليها بمهارة [شخصية] مسؤولة عن العلاقات العامة، فقد صوّر على سبيل المثال «حزب العدالة والتنمية» على أنه “فصيل محب للديمقراطية (وإسلاموي سابق)” بعد فترة وجيزة من هجمات 11 أيلول 2001. ومع ذلك، فبعد صيف عام 2013 واحتجاجات “حديقة جيزي”، فقَدَ هذه اللمسة السحرية والقدرة على ترويع المجتمع الدولي. وفي وقت متأخر بدأت تتبلور صورة أردوغان في العديد من العواصم الغربية والدوائر المالية باعتباره زعيماً استبدادياً. كما بدأت تتراجع وتيرة الاستثمارات في تركيا، وجلّ ما فعلته المشاعر المتنامية المناهضة لأردوغان في الغرب هو إذكاء استياء الرئيس التركي المتجذر تجاه الغرب والذي يحمله من ماضيه السياسي.

زملاء فقط مع قطر

على صعيد السياسة الخارجية أيضاً، يواجه أردوغان صعوبات، خاصة في الشرق الأوسط. وبالاستثناء الملحوظ لقطر، بعد أحداث 2013 في تركيا ومصر، تأثرت بشدة علاقات تركيا مع الأنظمة الملكية العربية ضمن «مجلس التعاون الخليجي»، وخاصة السعودية والإمارات، بسبب دعم أردوغان لجماعة «الإخوان المسلمين» في الشرق الأوسط. فهذه الملكيات الخليجية لديها نفور عميق من «الإخوان» وتعتبر أن هذه الجماعة تشكل تهديداً كبيراً على أمنها الداخلي.

وفي الموازاة، لم يحقق موقف أردوغان المؤيد لـ «الإخوان المسلمين» نجاحاً كبيراً في سائر أنحاء شمال أفريقيا، حيث كانت أنقرة أفضل حالاً في تونس من وضعها في ليبيا. فعندما انزلقت ليبيا إلى حرب أهلية، دعم أردوغان الفصائل الإسلامية السياسية ضمن تحالف “فجر ليبيا” في طرابلس الغرب، الذي عارض “تحالف الكرامة” بقيادة اللواء خليفة حفتر في طبرق، شمال شرق البلاد. وخشي السيسي وحليفته الإمارات من صعود الإسلام السياسي في ليبيا المجاورة لمصر وسارعا، رغبةً منهما في تقويض أردوغان، إلى دعم حكومة طبرق؛ فشنا ضربات جوية استهدفت الفصائل في طرابلس. وبسبب دعمها لتحالف “فجر ليبيا”، خسرت تركيا العديد من العقود الاقتصادية التي أبرمتها قبل الحرب والعلاقات التجارية التي بنتها بجهد في ليبيا خلال العقود الماضية. كما فشلت أنقرة أيضاً في التأثير على عملية السلام بقيادة الأمم المتحدة بشأن ليبيا، لأن العديد من الليبيين والجهات الفاعلة الدولية الرئيسية لم يعتبروا أردوغان محايداً. وتجسّد ذلك في نبذ الوفد التركي خلال المؤتمر حول ليبيا الذي عُقد في باليرمو، إيطاليا، في 12 و13 تشرين الثاني/نوفمبر 2018.

وفي أعقاب سقوط زين العابدين بن علي رئيس الجمهورية التونسية السابق استثمر أردوغان بشكل كبير في تونس من أجل مساعدة«حزب النهضة» الإسلاموي وتم  إنشاء “المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي” بين تونس وأنقرة، الذي تم التوقيع على تأسيسه في أنقرة من قبل أردوغان ورئيس وزراء تونس في ذلك الوقت حمادي الجبالي في 25 كانون الأول 2012. وأسفر الإعلان عن إنشاء آليات للتعاون الأمني والعسكري والاقتصادي والتجاري [بين البلدين]. وخلال الاجتماع الأول لـ “المجلس الأعلى”، أبرم الوفدان 21 اتفاقية وأعلنا عن توأمة بين 24 مدينة في كلا البلدين. ومنذ ذلك الحين، قدّمت أنقرة ائتمانات بقيمة نصف مليار دولار إلى تونس ما بعد “الربيع العربي”، على الرغم من تراجع النفوذ التركي منذ تنحي «حزب النهضة» عن الحكم في عام 2014.

وبحلول عام 2019، كانت قطر الصديقة الوحيدة لأردوغان في الشرق الأوسط. فهناك الكثير من الأمور المشتركة بين الدوحة وأنقرة عندما يتعلق الأمر بسياساتهما الخارجية. فالبَلَدان يدعمان الجماعات الإسلاموية، بما فيها «الإخوان المسلمين» في مصر و «حماس» في غزة، فضلاً عن الجماعات المرتبطة بـ «الإخوان» في سوريا وليبيا. وازداد التحالف التركي -القطري تماسكاً بعد أن وقفت تركيا إلى جانب الدوحة في خلافها مع دول «مجلس التعاون الخليجي» في عام 2017. وفي 5 حزيران 2017، خرج الخلاف إلى العلن عندما قطعت البحرين ومصر والحكومة الليبية المتمركزة شرقاً، وجزر المالديف، والسعودية، والإمارات، واليمن علاقاتها مع قطر، معلّلة ذلك بدعم الدوحة لـ «الإخوان المسلمين» ومتهمةً إياها بدعم الإرهاب.

وتَمَثّل رد فعل تركيا الفوري على الأزمة بمحاولة البقاء على الحياد والدعوة إلى الحوار. لكن بعد أيام قليلة من بدء الحصار، أصبح من الواضح أن أنقرة قررت اتخاذ موقف مؤيد لقطر. فقد أدان أردوغان الحصار الذي فرضه التحالف بقيادة السعودية على قطر، معتبراً أن العزلة المفروضة على الدوحة غير إنسانية وتنتهك القيم الإسلامية، وحتى أنه قارن الحصار بـ”حكم الإعدام”. ومع استمرار الحصار على الرغم من الجهود الأمريكية للوساطة، أصبح دور تركيا كشريان حيوي بالنسبة لقطر واضحاً بشكل متزايد.

لعبة القوى الجديدة في الشرق الأوسط: “محور” مقابل “تكتل”

ساهمت الديناميكيات الإقليمية في الشرق الأوسط في تقارب تركيا وقطر، بحيث اندمجا تقريباً في محور ثنائي ينافس قوى إقليمية أخرى، بما فيها السعودية والإمارات والبحرين ومصر وفي بعض الأحيان الأردن والكويت في إطار يشبه التكتل، في وقت تُقدّم فيه إسرائيل من حين لآخر الدعم لهذا التجمع وراء الكواليس.

وصحيح أن “المحور” و”التكتل” هما تحالفان غير رسميين، إلا أن المنافسة بينهما تبقى شرسة. فعلى سبيل المثال، طوال فترة الانتفاضات العربية وما أعقبها، انتهى المطاف بوقوف تركيا ودولة الإمارات على طرفيْ نقيض في كل صراع تقريباً. وعلى الرغم من العداء الأولي الذي يتشاطرانه تجاه عدو مشترك متجسد في صورة نظام الأسد في سوريا، إلّا أن محور تركيا -قطر والإمارات دعم جماعات متناحرة داخل المعارضة السورية.

ويكمن وراء هذا الصدع رد الفعل الحاد الذي أثاره «الإخوان» ومؤيدوهم الإقليميون من التكتل. فبالنسبة للرئيس المصري السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان ونظيره الإماراتي محمد بن زايد، أصبح مصطلح «الإخوان المسلمين» مرادفاً لكل من تركيا تحت حكم أردوغان، والدوحة، و”الإسلام السياسي المتطرف” كما يفهمونه. وفي حين يمكن تفسير مبادرات تركيا في المنطقة من خلال نظرة قومية أو جيوسياسية، إلّا أن استعداد التكتل بأن يَنسب جميع الدوافع التركية إلى أجندة «الإخوان» وكل التطرف المسلم السني إلى تأثير «الإخوان» قد عمّق الخلافات السياسية الشديدة القائمة أساساً بين التكتل والمحور.

وضِمِنْ تكتل دول «مجلس التعاون الخليجي»، فإن علاقات تركيا مع الإمارات – العدو اللدود لأردوغان في الخليج العربي وربما في الشرق الأوسط بأكمله اعتباراً من عام 2019 – هي الأسوأ. فقد اتخذت أبوظبي موقفاً معادياً بشدة لدعم أردوغان لمرسي ومعارضته اللاحقة للسيسي بعد سقوط «الإخوان» في القاهرة. وكان خطاب الرئيس التركي في 24 أيلول 2014 في مقر الأمم المتحدة، الذي ألمح خلاله إلى أن السيسي طاغية غير شرعي، هو القشة التي قصمت ظهر البعير فيما يتعلق بعلاقات أنقرة – أبو ظبي. وبعد ذلك، أطلقت الإمارات حملة ناجحة لمنع محاولة تركيا الانضمام إلى مجلس الأمن الدولي خلال الفترة 2015-2016. ومنذ ذلك الحين، وصلت العلاقات التركية-الإماراتية إلى أسوأ مراحلها عبر التاريخ، حيث يستغل البلدان أي فرصة لتقويض سياسات البلد الآخر، بدءاً من سوريا – حيث تدعم أبوظبي بشار الأسد وفتحت سفارتها في كانون الأول 2018 – وإلى الصومال، حيث تدعم أنقرة الحكومة المركزية في مقاديشو في حين تناصر أبوظبي المناطق الانفصالية في شمال الصومال.

تركيا والمملكة العربية السعودية

يجدر التعامل مع العلاقات السعودية – التركية بطريقة مختلفة عن المحور والتكتل. فبصفته مسلماً متديناً، أظهر أردوغان التقدير لملوك السعودية الذين يكنّ لهم الاحترام باعتبارهم “خدام الحرمين الشريفين” في مكة المكرمة والمدينة المنورة. وفي الواقع، وخلال السنوات الأخيرة، تحسّنت العلاقات التركية – السعودية بعض الشيء بعد وفاة الملك عبدالله المناهض الشديد لجماعة «الإخوان» في كانون الثاني 2015. ومع ذلك، تدهورت هذه العلاقات عندما وقفت تركيا إلى جانب قطر في خلافها مع دول «مجلس التعاون الخليجي»، لتعود وتتدهور بصورة أكثر بعد مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي .

محور فاشل ومستقبل غير مؤكد

أعاد أردوغان وقيادة حزبه، «حزب العدالة والتنمية»، حسابات سياساتهما الداخلية والخارجية بعناية منذ عام 2013 من أجل التعامل مع القضايا الملحة في تركيا والخارج. وترك انعكاس احتجاجات “حديقة جيزي” والإطاحة بمرسي في مصر أثراً دائماً على قيادة أردوغان في تركيا. فقد واصل الزعيم التركي قمع الاحتجاجات والمعارضة في بلاده بعد عام 2013 وحتى يومنا هذا. وعلى صعيد السياسة الخارجية، وقف أردوغان في وجه دول الخليج، محاولاً التأثير على نتائج الانتفاضات العربية من خلال دعمه الحصري لجماعة «الإخوان المسلمين». غير أن “الحصان” الذي راهن عليه أردوغان جاء في المركز الأخير، مما أحدث شرخاً بين تركيا وجميع القوى السنية الأخرى تقريباً في دول شرق البحر المتوسط والشرق الأوسط.

ونتيجةً لذلك، أصبحت أنقرة اليوم أكثر عزلةً في الشرق الأوسط من أي وقت مضى. ولا شك أن هذه العوامل ساهمت في تغيير نظرة الحكومة التركية والعديد من المواطنين الأتراك للمنطقة. وأسفر انخراط أردوغان في الشرق الأوسط عن وجهات نظر تركية فجّة تجاه العرب ومفاهيم نمطية جديدة تجاههم. وتُعد علاقات أنقرة السيئة مع أبو ظبي مثالاً على ذلك. ففي أحدث مشاحنة كبيرة بين تركيا والإمارات في كانون الأول 2017، نشر وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد آل نهيان تغريدة على “تويتر” اتهم فيها فخر الدين باشا، أحد الجنرالات العثمانيين الذين حاربوا للدفاع عن المدينة المنورة خلال الثورة العربية عام 1916 في الحرب العالمية الأولى، بسرقة تحف تاريخية لا تقدّر بثمن ونقلها إلى اسطنبول في ذلك الوقت. كما جاء في التغريدة “هؤلاء أجداد أردوغان، وتاريخهم مع المسلمين العرب”. وينبع هذا التهكم من شعور متجذر بالمرارة. وعلى صعيد الحملات الدعائية، تحوّلت الإمارات إلى القنص على تركيا، واصفةً إياها بقوة أجنبية تسعى إلى فرض سيادتها على العرب.

وإذ أثارت الإهانة حفيظته، ردّ أردوغان على الوزير قائلاً: “حين كان أسلافي مشغولين بالدفاع عن المدينة المنورة، ماذا كان أسلافك يفعلون – أنت أيها الرجل الوقح”؟ بدوره علّق المتحدث باسم أردوغان إبراهيم كلين واصفاً تعليقات بن زايد بأنها “كذبة دعائية لتأليب الأتراك والعرب ضد بعضهم البعض”. ودأب مستشار أردوغان يجيت بولوت على الانتقاد أيضاً، وسخر من الإمارات باعتبارها “الدولة الثانية والخمسين للولايات المتحدة” (وقال، إن “إسرائيل هي الدولة الواحدة والخمسين”). وانطلقت الصحافة التركية الموالية لأردوغان بنشر قصص ومقالات افتتاحية تعظّم فخر الدين باشا وتنتقد الإمارات لإهانتها شخصيته. وللمفارقة، يبدو أن محور أردوغان في الشرق الأوسط، الذي يهدف إلى تغيير وجهات النظر العنصرية للأتراك تجاه العرب، لم يفشل في تجاوز مثل هذه التحيزات فحسب، بل شجع أيضاً للأسف جيلاً جديداً من التصورات السلبية والتوترات مع العرب.

سونر چاغاپتاي هو زميل “باير فاميلي” ومدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن. في هذا المقال، مقتطف من كتاب  عن السياسة الخارجية التركية تحت حكم أردوغان لــ إغيكان آلان فاي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق