دراسات وأبحاث

أردوغان ..الامبريالية الجديدة بنكهة إسلامية (ج2) – معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى

|| Midline-news || – الوسط …

تحمل اللغة التركية مؤشرات لغوية لتاريخ أطول من التهميش العربي في الإمبراطورية العثمانية وكذلك التعايش التركي – العربي المضطرب فيما يتخطى أحداث الحرب العالمية الأولى. وتتضمن التعبيرات المناهضة للعرب، التي تم تعميم الكثير منها على نطاق واسع في الثقافة الشعبية والأدب والأفلام واللغة العامية المعاصرة في تركيا ما يلي: “مِثل الشَعْرْ العربي” (فوضى لا يمكن الخروج منها)؛ “لا حلوى دمشقية ولا وجه عربي” (حالة يكون فيها للجهة المعنية خياران سيئان للاختيار بينهما)؛ وغيرهما التي هي حتى أقل سلاسة. ويستحق أردوغان ووزير خارجيته أحمد داوود أوغلو الثناء، إذ عند بداية الانتفاضات العربية أبديا اهتماماً كبيراً وشديداً بالدول العربية، والأهم من ذلك، تخطيا الآراء العنصرية التركية تجاه العرب. فالتغلّب على هذه العقلية كان أساسياً لطموحات أردوغان في السياسة الخارجية، فضلاً عن خدمة مصالحه الشخصية. ويؤمن الرئيس التركي بأن بإمكان بلاده أن تبرز من جديد كقوة عظمى من خلال قيادة الدول المسلمة، انطلاقاً من دول الشرق الأوسط ذات الأغلبية العربية. فبواسطة المسلمين ومن خلالهم، يمكن لتركيا أن تصبح قوة عظمى إذا تمّ منح الأتراك دوراً متميزاً في هذه المجموعة. يُذكر أنه في بداية الانتفاضات العربية، التي وعدت بتسليم السلطة للأحزاب المرتبطة بجماعة «الإخوان المسلمين» والتي دعمتها أنقرة في عدد من العواصم العربية، اعتقد أردوغان أن هذا الهدف كان في متناول يده.

وفي أعقاب ثورة 2011 التي أنهت نظام الرئيس حسني مبارك في مصر الذي دام ثلاثة عقود، أصبح أردوغان أحد أوائل القادة الأجانب الذين زاروا القاهرة دعماً للانتفاضة. وكانت تلك الزيارة ضمن جولة أكبر قام بها الزعيم التركي في شمال إفريقيا، حيث زار بالتزامن مع مصر كل من تونس وليبيا اللتين زعزعتهما الانتفاضات العربية أيضاً. وزار أردوغان القاهرة في أيلول/سبتمبر 2011 حيث رحّبت به الحشود المصرية باعتباره بطلاً. وانتشرت لوحات إعلانية كبيرة تحمل صورته على امتداد الطريق السريع من مطار القاهرة إلى وسط المدينة. وقدّم تركيا نموذجاً للديمقراطية والعلمانية الإسلامية الحديثة. ورغم أن دعم أردوغان للعلمانية قد فاجأ مضيفيه المصريين، إلا أنه كان في الواقع تحذيراً حكيماً وذو بصيرة – ولكنهم تجاهلوه – للحفاظ على دعم شعبي كاف لردع استيلاء الجيش [على السلطة].

وأشارت الصحف المصرية إلى أن الخلاف الجديد مع تركيا من شأنه أن يضغط على إسرائيل، وقد نشر أردوغان واقع تفكيره في القيام بزيارة إلى غزة للإشارة إلى الدعم التركي لحركة «حماس» وسكان غزة على نطاق أوسع. وفي النهاية، لم تتحول الزيارة إلى غزة إلى أمر واقع، بسبب معارضة “المجلس الأعلى للقوات المسلحة” الحاكم في مصر، وفقاً لبعض التقارير. وبعد زيارته للقاهرة، دعا داود أوغلو إلى قيام تحالف مصري ـ تركي، أو “محور الديمقراطية”. وفي الواقع، أقيمت علاقات ثنائية وثيقة في أعقاب فوز «الإخوان المسلمين» في الانتخابات ومرشحها محمد مرسي في مصر في حزيران/يونيو 2012.

وقام أردوغان بزيارة القاهرة للمرة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، ورافقه هذه المرة وفد كبير من حكومته ومن القطاع الخاص. وألقى خطاباً في جامعة القاهرة أشاد فيه بمرسي لقراره بسحب سفير مصر في إسرائيل رداً على الغارات الجوية الإسرائيلية على غزة. واشار أردوغان كذلك إلى أنه من شأن “التحالف المصري – التركي” أن يضمن السلام والاستقرار في شرق البحر المتوسط ​​، مما يعني أن مثل هذا التحالف سيقيّد قدرة إسرائيل على استخدام القوة. وأشاد أردوغان بالناشطين الشباب المصريين لإسقاطهم “ديكتاتورية” مبارك وأعلن أن “مصر وتركيا يد واحدة”، على غرار شعار الجيش المصري “الجيش والشعب يد واحدة”.

وفي الوقت الذي بدأت فيه قبضة مرسي على السلطة بالانزلاق، تراجعت طموحات أردوغان بإقامة شراكة استراتيجية مع مصر. فبعد فترة وجيزة من توليه الرئاسة، تحرك على عجل للاستيلاء على السلطة، ومنح نفسه سيطرة قضائية فوق أي محكمة مصرية ومارس ضغوطاً لإقرار دستور جديد صاغه بشكل رئيسي إسلامويون، من خلال استبعاد جماعات أخرى في مصر. إن السرعة التي تمكّن فيها مرسي من فرض نفسه كحاكم مصر الوحيد في أقل من عام جعلت تراكم السلطة التدريجي الذي يطبقه أردوغان في تركيا منذ عام 2003 يبدو متواضعاً بالمقارنة.

وانطلقت المظاهرات المناهضة لمرسي والمناهضة لـ «الإخوان» في القاهرة في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 وأصبحت عنيفة على نحو متزايد، بينما انهارت محاولات إجراء حوار بين مرسي ومختلف أحزاب المعارضة. وبحلول ربيع عام 2013، بدأت حركة “تمرد” مناهضة لمرسي بتنظيم احتجاجات حاشدة وقررت إجراءها في 30 حزيران/يونيو، التي هي الذكرى السنوية الأولى لحكم مرسي. ومع تعميم التقارير التي أفادت بأن مرسي قد حاول إقالة الفريق أول السيسي من منصبه كوزير للدفاع، أصدرت القيادة العسكرية المصرية تحذيرات من أن الجيش ربما يضطر إلى التدخل “لمنع مصر من دخول نفق مظلم”.

واستمرت جاذبية أردوغان في أعين المصريين الباحثين عن مقاربة سياسية جديدة قوية خلال هذه الفترة، وقد عاد ذلك أساساً إلى النجاح الاقتصادي الذي حققته تركيا حتى عام 2013. وبخلاف الرئيس التركي، الذي تفاخر باقتصاد بلاده المزدهر في ذلك الوقت، واجه مرسي أزمة اقتصادية عميقة. وفي هذا السياق، اكتست زيارة مرسي إلى أنقرة في عام 2012 أهمية ملحوظة لأنها أسفرت عن اتفاق لمنح قرض بقيمة مليار دولار من أردوغان، لكن ذلك لم يكن كافياً لتحسين الاقتصاد المصري. وفي المقابل، انهارت الجهود الغربية والتركية لمساعدة مرسي على التوصل إلى اتفاق مع “صندوق النقد الدولي” لدعم الاقتصاد المصري، وسحب مرسي سلسلة من الإجراءات الإصلاحية بعد ساعات فقط من إعلان مكتبه عنها. وعرضت أنقرة على مصر صفقات تجارية بشروط ميسّرة وشجعت الاستثمارات التركية الخاصة، لكن إدارة مرسي بدت مشلولة بشكل متزايد.

ومع اقتراب موعد احتجاجات 30 حزيران/ يونيو، أرسل أردوغان رئيس جهاز المخابرات الوطنية التركي هاكان فيدان لزيارة مرسي. وأشارت التقارير اللاحقة في وسائل الإعلام المصرية والتركية إلى أن مهمة فيدان كانت تحذير مرسي من انقلاب وشيك، وربما حتى مناقشة كيفية تجنبه. وأياً كان المضمون الحقيقي لتلك الزيارة، فقد نظر الجيش المصري وحلفاؤه من المدنيين إليها كدليل نهائي على تحالف أردوغان مع مرسي و «الإخوان المسلمين». وكما كان مقرراً، نزل ملايين المصريين إلى الشوارع في 30 حزيران/يونيو، وهذه المرة للاحتجاج على استيلاء «الإخوان المسلمين» على السلطة وفشلهم في معالجة المشاكل الاقتصادية والأمنية المستمرة. ووصف سياسيون من «الإخوان المسلمين» الاحتجاجات بأنها “محاولة انقلاب” تهدف إلى الإطاحة من البداية بزعيمهم المنتخب ديمقراطياً، مرددين الخطاب الذي استخدمه أردوغان، والذي واجه في ذلك الوقت مظاهرات “حديقة جيزي” في إسطنبول التي بدأت قبل أسابيع فقط من الاحتجاجات ضد مرسي.

ومع ذلك، عندما أعلن الفريق أول السيسي في 3 تموز/يوليو 2013 أن الجيش أطاح بمرسي من السلطة لإنقاذ مصر من شبح الحرب الأهلية، تلقى الدعم من الإمارات والسعودية اللتين تعارضان وجود «الإخوان» في مصر وفي المنطقة. وبذلك انتهت علاقة تركيا – التي أنشأها أردوغان بعناية – مع القيادة المصرية الجديدة. وأشار إلى السيسي على أنه “طاغية” واتهم الحكومة المصرية المؤقتة بممارسة “إرهاب الدولة”. كما بدأ أردوغان في السماح لشبكات الإعلام المصرية المؤيدة لـ «الإخوان» والمناهضة للسيسي بالعمل بحرية من داخل تركيا.

ولم يتوان السيسي عن الردّ. فقد اتهمت وسائل الإعلام المصرية أنقرة “بدعم الحملة الإرهابية” ضد أجهزة الأمن المصرية في شبه جزيرة سيناء بعد إقالة مرسي من السلطة. كما تحوّل الدبلوماسي المحنك وسفير تركيا في القاهرة، حسين عوني بوطصالي، من سفير ترحّب به مختلف أطياف السياسة المصرية إلى سفير يواجه مظاهرات مناهضة لتركيا على أبواب مقر إقامته. وألغت أنقرة والقاهرة الخطط التي تم إقرارها خلال عهد مرسي لإجراء مناورات بحرية مشتركة في شرق البحر المتوسط. وأخيراً، في تشرين الثاني/نوفمبر 2013، طردت وزارة الخارجية المصرية بوطصالي، وقطعت العلاقات مع أنقرة.

تجدر الملاحظة أن دعم أردوغان لمرسي و«الإخوان» في مصر كلّف تركيا ثمناً باهظاً بعد الإطاحة بهما. ولكي ترد بالمثل، بدأت القاهرة محادثات مع أثينا من أجل ترسيم حدود المناطق الاقتصادية البحرية بين مصر واليونان في البحر المتوسط. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2014، عقد السيسي قمة ثلاثية مع الرئيس القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني للترويج لاتفاق لتوريد الغاز الطبيعي من الحقول تحت سطح البحر قبالة ساحل قبرص إلى مصر. وبقيامه بذلك، كان من المؤكد تقريباً أنه كان يسعى إلى تحدي قوة أردوغان في شرق البحر المتوسط. وقد طردت حكومة السيسي الشركات التركية، التي كانت مصدراً لتفوّق أنقرة في الشرق الأوسط. ومنذ ذلك الحين عانت الشركات التركية التي بقيت في مصر، الأمر الذي قوض أهداف أنقرة المنشودة للقوة الناعمة.

وتحدّد تصوّرات وأفكار أردوغان والسيسي عن بعضهما البعض معالم التوترات المستمرة حتى يومنا هذا في العلاقات التركية-المصرية. فأردوغان هو الزعيم الإسلاموي الذي سجن الجنرالات العلمانيين، بينما السيسي هو الجنرال العلماني الذي حبس الإسلامويين. وطالما أن هذين الزعيمين مسؤولان عن بلديهما، فمن الصعب تخيّل قيام أنقرة والقاهرة بإقامة علاقات ودية حقاً (ناهيك عن الحفاظ عليها).

الخوف البدائي لأردوغان

تكمن جذور ردّ فعل أنقرة على الإطاحة بمرسي، والانفصال النهائي عن القاهرة، في ماضي أردوغان – أي علاقته المضطربة التي تشوبها الصراعات مع الجيش العلماني التركي – بقدر ما تعود إلى أحداث عام 2013. وبقي الخوف من حدوث “انقلاب” يلوح في الأفق وراسخ في قلب أردوغان وأعضاء «حزب العدالة والتنمية» الذي يترأسه، على الرغم من أنه أخضع “القوات المسلحة التركية” لسيطرته في العقد الماضي بمساعدة من شرطة غولن وجهاز قضائي عبر محاكمات إرغينيكون المذكورة أعلاه (2008 إلى 2011).

ويمكن أن تعود هذه المخاوف إلى “الانقلاب الناعم” في شباط/فبراير 1997، حين نظّمت “القوات المسلحة التركية” حركة احتجاجية مدنية للإطاحة بكل من «حزب الرفاه» – سلف «حزب العدالة والتنمية» الإسلامي السياسي المنتخب ديمقراطياً – وبزعيم هذا الحزب نجم الدين أربكان (1926-2011). وكان أربكان السياسي الإسلاموي البارز في تركيا. وسابقاً كان أردوغان يكن بالغ الاحترام لأربكان لدرجة أنه سمّى أحد أبنائه على إسمه في عام 1981.

وبعد أن حلّت المحاكم التركية «حزب الرفاه» في عام 1998، حكمت على أردوغان – الذي كان عضواً في الحزب وعمدة إسطنبول في ذلك الحين – بالسجن لمدة عشرة أشهر (قضى منها أربعة أشهر) لتلاوته قصيدة أضعفت حسبما زُعم دستور تركيا العلماني. وصحيح أن العالم الخارجي دعم الانقلاب الذي قاده الجيش التركي، لكن العديد من الأتراك دافعوا عن أردوغان واعتبروه كسجين بطولي وكذلك خَلَف إيديولوجي وسياسي لأربكان، المكبّل الأيدي.

وبالطبع، بحلول أحداث صيف عام 2013، قطع الإسلام السياسي في تركيا وأردوغان نفسه شوطاً طويلاً بعيداً عن “الانقلاب الناعم” بين 1997 و 1998 وحُكْم السجن [الذي أُدين به]. وبعد حلّ «حزب الرفاه» قسراً، انشق أردوغان وبعض القادة الأصغر سناً عن أربكان وخطابه المناهض للديمقراطية، ليؤسسوا رسمياً «حزب العدالة والتنمية» في عام 2001. واقتحم هذا الحزب الجديد السلطة خلال الانتخابات العامة التركية التي أُجريت في تشرين الثاني/نوفمبر 2002.

وعندما وصل «حزب العدالة والتنمية» إلى السلطة، تحالَفَ أردوغان وقيادة الحزب مع “حركة غولن”، الجماعة الإسلاموية التركية الملتزمة بتعاليم رجل الدين المسلم فتح الله غولن. وكانت “الحركة” تضمّ آلاف الأعضاء في جميع أنحاء تركيا وخارجها الذين عملوا في مجالات التعليم والشرطة والإعلام والقضاء، فضلاً عن القطاع الخاص. وعاد تحالف أنصار غولن و «حزب العدالة والتنمية» بالفعل بالفائدة على الجانبين في ظل إقدام إدارة أردوغان على تحقيق نمو اقتصادي هائل طوال عقد من الزمن. وفي الانتخابات البرلمانية التي جرت عام 2011، أيد 49.9 في المائة من الناخبين أردوغان وحزبه، مقابل 34 في المائة من التأييد الذي حصل عليه قبل ذلك بتسع سنوات.

ولاحقاً، بحلول عام 2013، أصبح أردوغان الزعيم الأكثر نفوذاً في تركيا منذ ما يقرب من قرن. ومع ذلك، فعلى الرغم من ترسّخه في السلطة، ظل يخشى من حدوث انقلاب محتمل. وفي هذا الصدد، تمثّل أحداث عام 2013 في تركيا ومصر نقطة تحوّل في مسيرة أردوغان.

يتبع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق